والذي نجده في قوانين الشريعة التي عرضها القرآن : أنّ لأولياء الدم حقّ مطالبة القصاص ، ولكن لا في جفاء
وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً
« 1 » . وله العفو عن القصاص تنازلا إلى الدية ، وهذا تخفيف من اللّه ورحمة بالعباد .
والنكتة هنا أنه تعالى جعل العفو منسوبا إلى الأخ ، وقد عبّر عن وليّ الدم - وهو الثائر بأحاسيسه دفاعا عن حقّ المقتول - بالأخ الكريم ، إثارة لعواطفه الانسانية النبيلة ، فلا يثور مثار العدوّ اللدود ، وإنّما هو أخ وابن أخ كريم . ثمّ لا يذهب عن القاتل ، أنّ الذي عفا عنه إنّما هو أخوه ، وإنّما عفا عنه لمكان أخوّته ، فلا يجفّون بشأنه في أداء الدية إليه بإحسان . كما لا يجفو وليّ الدم في مطالبة الدية ، وإنما يطالبه عن رفق ومداراة ، لأنّه إنّما عفا عنه لأنه أخوه .
فهنا جاءت قضية الاخوّة الانسانية فضلا عن الاخوّة الاسلامية ، هي الفاصلة في الأمر والمستدعية لانتهاء الأمر بسلام ، فلا خصومة بعد ذلك ولا تجافي عن الحقوق .
والقرآن في هذا المجال كأنما أخذ موضع الحياد من القضية ، وإنّما أوكلها إلى جانب من حياة الانسان الرقيقة ، هي جانب اخوّته وكرامته وفضيلته ، فهو الذي يحدو به إلى هذا المجال من الكرامة الانسانية النبيلة وإن كان القرآن هو الذي أثار فيه هذه العاطفة ، وساقه إلى هذا السبيل الرشيد .
فمتى قبل وليّ الدم الدية بدل القصاص ورضيه فيجب إذا أن يطلبه بمعروف ورضا ومودّة ، ويجب على القاتل أن يؤدّيه بإحسان وإجمال وإكمال ، تحقيقا لصفاء القلوب ، وشفاء لجراح النفوس ، وتقوية لأواصر الأخوّة بين البقيّة الأحياء .
وقال بشأن اليتامى :
هامش
( 1 ) الإسراء : 33 .