تثبيط المسلمين عن الخروج للجهاد . وجهّز رأسهم جيشا من المنافقين ينافس به جيش المسلمين ، حتّى كان يقال : ليس عسكر ابن ابيّ بأقلّ العسكرين . ثمّ أعلن حرب الأعصاب حين قرّر التخلّف والانسحاب ، وهو يقول : يغزو محمّد بني الأصفر - مع جهد الحال والحرّ والبلد بعيد - إلى ما لا قبل لديه ، يحسب محمّد أنّ قتال بني الأصفر اللعب ، واللّه لكانّي أنظر إلى أصحابه غدا مقرّنين في الحبال « 1 » .
هذا ديدنهم في الشدائد وعند الاستعداد للمعارك ، وهو أن يفرّوا من الميدان ، ويبرّرون هزيمتهم هذه بأتفه المعاذير . وانظر إلى عذر أحدهم - هو الجدّ بن قيس - يقول : إنّه يخشى على نفسه الفتنة من نساء الروم لجمالهنّ « 2 » .
وانظر إلى الآيات وهي تعري حقائقهم :
إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ * وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ
« 3 » .
* * * وأخيرا وبصفة عامّة يصف العرب - ولا سيّما البدو منهم - بالنفاق العارم ، وأنّهم لا يزالون يكيدون بالاسلام ، وحتّى الذين أسلموا في ظاهر الأمر ، إنّما يبطنون الكفر والنفاق .
قال تعالى بشأنهم :
هامش
( 1 ) سيرة ابن هشام : ج 4 ص 168 .
( 2 ) سيرة ابن هشام : ج 4 ص 159 ، مجمع البيان : ج 5 ص 36 .
( 3 ) التوبة : 45 - 49 .