قوله : « فأنهد جبالها عن سهولها » كأنّه إشارة إلى مبدأ حدوث الجبال على سطح الأرض ، بعد أن كان مستويا ، فتجعّد على أثر برودة القشرة ، فكانت نتوءات وانخفاضات ، وبذلك انقسم وجه الأرض إلى مرتفعات شامخات وهضبات ، وإلى وديان وسهول .
قوله : « وأساخ قواعدها في متون أقطارها ومواضع أنصابها »
أصرح في الدلالة على السلاسل الجبلية المكتنفة بالأرض من جميع أقطارها .
قوله : « وجعلها للأرض عمادا ، وأرّزها فيها أوتادا »
لأنّها هي التي حالت دون تفتّتها ودون اضطراب قشرتها ، ودون خروجها عن مداراتها .
تلك ثلاث خلال ، جاءت في وصف الامام عليه السّلام ، لبيان حكمة نتوء الجبال وتسلسلها الماسكة بأكناف الأرض ، وإليك شرح هذا الجانب :
قال عليه السّلام : « فسكنت على حركتها من أن تميد بأهلها ، أو تسيخ بحملها ، أو تزول عن مواضعها . . »
تلك ثلاث فوائد وحكم جاءت في كلامه :
( أولا ) هدأت - رغم حركتها الانتظامية - من الميدان والاضطراب ، فهي تتحرّك بهدوء واتّزان ، لا ترتعش ولا تميد ولا تضطرب .
( ثانيا ) هدأت واطمأنّت واستحكمت قشرتها وصلبت ، فلا تسيخ ولا تنخسف ولا تتشقق قشرتها ، وإلّا لأصبحت قشرة الأرض كلّها براكين وفوهات ونافورات بالموادّ المنصهرة والجلاميد المذابة .
( ثالثا ) هدأت وانتظمت في حركاتها الوضعية والانتقالية على أنحائها وأنواعها ، والتي بها انتهجت الحياة عليها منهجها الرتيب ، فلا تميل عن مواضعها في دوائرها الدائرة فيها بانتظام .
هذه ثلاث حكم بيّنها الامام عليه السّلام أثرا لوجود سلاسل الجبال في الأرض ، الأمر الذي يدعمه العلم باكتشافاته وبحوثه وتجاربه .
وتوضيحا لهذا الجانب نقول : إنّ هذا الأثر العظيم للجبال - في إمكان الحياة
التمهيد في علوم القرآن — صفحة 155
مساهمون: الشيخ محمد هادي معرفة
ص١٥٥