وهي مسألة يعرف سرّها الآن علماء التشريح ( الفسيولوجيا ) ويدركون أنّ جهاز السمع أرقى وأعقد وأدقّ وأرهف من جهاز الابصار . ويمتاز عليه بإدراك المجرّدات كالموسيقى ، وإدراك التداخل مثل حلول عدة نغمات داخل بعضها بعضا ، مع القدرة على تمييز كل نغمة على انفراد ، كما تميّز الام صوت بكاء ابنها من بين زحام هائل من أصوات متداخلة . يتمّ هذا في لحظة زمن . . . أمّا العين فهي تتوه في زحام التفاصيل ولا تعثر على ضالّتها . يتوه الابن عن عين امّه في الزحام ولا يتوه عن سمعها . والعلم يمدّنا الآن بألف دليل على تفوّق معجزة السمع على معجزة البصر . ولم يكن هذا العلم موجودا أيام نزول القرآن
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ
« 1 » . وهذا تحدّ بمستقبل الأيام سوف يصادف على آيات ما زالت تقرأ وهي غيوب محجّبة .
إنه الانضباط والإحكام في كل لفظة وفي كل حرف ، لا تتقدّم كلمة على كلمة إلّا بسبب ، ولا تتأخّر كلمة عن كلمة إلّا بسبب ، فما هذا الإصرار على تقدّم السمع على البصر في تعبير القرآن ؟ إنه تكرار متعمّد برغم أنّ النظرة العامّية إلى الأمور تنظر إلى البصر بإجلال أكثر « 2 » .
آيتا السرقة والزنا :
وهو حينما يذكر السرقة نراه يورد السارق مقدّما على السارقة
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما
« 3 » . أما في الزنا فنراه يذكر الزانية مقدّمة على الزاني
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ
« 4 » . والحكمة واضحة
هامش
( 1 ) فصّلت : 53 .
( 2 ) محاولة لفهم عصري : ص 251 .
( 3 ) المائدة : 38 .
( 4 ) النور : 2 .