الحديث فضلا عن أحسنه ، فإنّ القرآن نزل في نيّف وعشرين سنة في أحكام مختلفة ولأسباب مختلفة ، وما كان كذلك لا يتأتى ربط بعضه ببعض ، إذ لا يحسن أن يرتبط تصرّف الإله في خلقه وأحكامه بعضها ببعض ، مع اختلاف العلل والأسباب ، كتصرّف الملوك والحكّام والمفتين وتصرّف الانسان نفسه بأمور متوافقة ومتخالفة ومتضادّة . وليس لأحد أن يطلب ربط بعض تلك التصرّفات مع بعض ، مع اختلافها في نفسها واختلاف أوقاتها .
وعاكسه الشيخ وليّ اللّه محمّد بن أحمد الملويّ المنفلوطي ، قائلا : وقد وهم من قال لا يطلب للآي الكريمة مناسبة ، لأنّها على حسب الوقائع المتفرّقة وفصل الخطاب أنها على حسب الوقائع تنزيلا ، وعلى حسب الحكمة ترتيبا ، فالمصحف كالصحف الكريمة على وفق ما في الكتاب المكنون ، مرتّبة سوره كلها وآياته بالتوقيف « 1 » .
قال الإمام بدر الدين الزركشي : وهذا الذي ذكره الشيخ وليّ اللّه مبنيّ على أنّ ترتيب السور توقيفي . ثم رجّح ذلك وأخذ في بيان التناسب فيما بين عديد من السور . قال : وإذا اعتبرت افتتاح كل سورة وجدته في غاية المناسبة لما ختم به السورة قبلها . ثمّ هو يخفى تارة ويظهر أخرى ، كافتتاح سورة الأنعام بالحمد ، فإنه مناسب لختام سورة المائدة من فصل القضاء كما قال تعالى :
وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
« 2 » .
وكافتتاح سورة فاطر بالحمد أيضا ، فإنه مناسب لختام ما قبلها
وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ
« 3 » ، كما قال تعالى :
فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
« 4 » .
هامش
( 1 ) البرهان : ج 1 ص 37 ، والإتقان : ج 3 ص 323 ( ط 2 ) . ونظم الدرر للبقاعي : ج 1 ص 8 .
( 2 ) الزمر : 75 .
( 3 ) سبأ : 54 .
( 4 ) الأنعام : 45 .