تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
قال الامام بدر الدين الزركشي : وهذا الباب يطلعك على سرّ عظيم من أسرار القرآن الكريم ، فاشدد يديك به « 1 » . ومن أمثلته قوله تعالى :
وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً
« 2 » ولا يخفى وجه المناسبة التامّة . وقوله تعالى :
أَ وَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَ فَلا يَسْمَعُونَ . أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَ فَلا يُبْصِرُونَ
« 3 » لمّا كانت الآية الأولى تذكرة وعبرة بما أصاب القرون الأولى ، ولا عبرة بأحوال الماضين لولا الاستماع إلى قصصهم ، فختمت بما يناسبه « يسمعون » أمّا الآية الثانية فكان الاعتبار فيها بأمر مشهود منظور ، فناسبه الختم بالابصار . وقوله تعالى :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
« 4 » الشيء إذا بلغ في اللطافة غايتها قصرت الأبصار عن دركه . فناسب قوله :
وَهُوَ اللَّطِيفُ
قوله :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
. والعالم بالشيء إذا بلغ كنهه وأحاط به علما كان خبيرا به ، فناسب قوله : « الخبير » قوله :
وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ
، جمعا محلّى باللام ، وهو يفيد العموم الدالّ على إحاطته تعالى . ومناسبة أشد : أنّ قوله :
وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
برهان على عدم إمكان إدراكه بالأبصار وأنّه هو الذي يحيط بالأبصار ، فكان كدعوى مقرونة بشاهد
هامش
( 1 ) البرهان : ج 1 ص 79 . ( 2 ) الأحزاب : 25 . ( 3 ) السجدة : 26 و 27 . ( 4 ) الأنعام : 103 .