الخطب والمقالات التي يتعاهدها أرباب القلم والبيان ، ولا كان فيه تكلّف سجع الكهّان وهذرهم في سرد ألفاظ وتعابير نابية عن مواضعها ، غير متلائمة مع فحوى الكلام . . .
وليس معنى ذلك أنّ القرآن ابتعد عن جميع أساليب الكلام المعروفة عند العرب ، ليكون غير مألوف بتاتا . . . بل أتى بأسلوب جامع لمحاسن الكلام من غير كلفة ، واتّخذ طريقة في الإفادة والإيفاء ، لم تشذّ عن الطرائق المعهودة ، غير أنه سلك من كل نوع أفضله ، وأخذ من كل فضيلة أشرفها ، فكانت فيه خاصّية جميع أنواع الكلام ، من شعر موزون ، ونثر منطلق ، وسجع رصين . . .
فجاء نمطا جامعا لمزايا أنواع الكلام ، من غير أن يكون أحدها . . . الأمر الذي عجز عنه الأوائل والأواخر سواء .
ومن ثم فالقرآن نمط من الكلام ، بديع في سبكه وعجيب في أسلوبه ، لكنه من جنس الكلام المألوف وإن كان بارعا في نظمه ورصفه :
فإن تفق الأنام وأنت منهم * فإنّ المسك بعض دم الغزال
وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ
« 1 » .
قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ
« 2 » إذا لم يكن القرآن قد ابتعد عن أساليب الكلام المعروفة ، ولم تكن البراعة في الجمع بين مزايا الكلام ممّا يوجب خروجه عن المألوف المعهود . . . الأمر الذي ليس بعزيز في تمايز كلام عن كلام وتفاوت درجات البيان في الإجادة والايفاء .
وعليه فلا موضع لقول بعضهم : لو صحّ أنّ نقض العادة بضروب جديدة
هامش
( 1 ) النحل : 103 .
( 2 ) الزمر : 28 .