والعجيب من الوصف ، حتى أعجز الخلق قاطبة ، وحتى قهر من البلغاء والفصحاء القوى والقدر ، وقيّد الخواطر والفكر ، حتى خرست الشقاشق « 1 » وعدم نطق الناطق وحتى لم يجر لسان ، ولم يبن بيان ، ولم يساعد إمكان ، ولم ينقدح لأحد منهم زند ، ولم يمض له حدّ ، وحتى أسال الوادي عليهم عجزا ، وأخذ منافذ القول عليهم أخذا ؟
. . أيلزمنا أن نجيب هذا الخصم عن سؤاله ، ونردّه عن ضلاله ، وأن نطبّ لدائه ، ونزيل الفساد عن رائه « 2 » ؟ فإن كان ذلك يلزمنا ، فينبغي لكلّ ذي دين وعقل أن ينظر في الكتاب الذي وضعناه ( يريد نفس كتاب دلائل الإعجاز ) ويستقصي التأمّل لما أودعناه . . . « 3 » .
وكرّ في الكتاب قائلا : وإنّه كما يفضل النظم النظم ، والتأليف التأليف ، والنسج النسج ، والصياغة الصياغة ، ثم يعظم الفضل ، وتكثر المزيّة ، حتى يفوق الشيء نظيره والمجانس له درجات كثيرة ، وحتى تتفاوت القيم التفاوت الشديد ، كذلك يفضل بعض الكلام بعضا ، ويتقدّم منه الشيء الشيء ، ثمّ يزداد من فضله ذلك ، ويترقّى منزلة فوق منزلة ، ويعلو مرقبا بعد مرقب ويستأنف له غاية بعد غاية ، حتى ينتهي إلى حيث تنقطع الأطماع ، وتحسر الظنون ، وتسقط القوى وتستوي الاقدام في العجز . . . « 4 » .
ثم قال : واعلم أنّه لا سبيل إلى أن تعرف صحّة هذه الجملة حتى يبلغ القول غايته ، وينتهي إلى آخر ما أردت جمعه لك ، وتصويره في نفسك ، وتقريره عندك ، إلّا أنّ هاهنا نكتة ، إن أنت تأمّلتها تأمّل المتثبّت ، ونظرت فيها نظر
هامش
( 1 ) الشقاشق : جمع شقشقة - بكسر الشين - وهي لهاة البعير أو شيء كالرئة يخرجه البعير من فيه إذا هاج ويقال للفصيح : هدرت شقاشقه ، يريدون الانطلاق في القول وقوّة البيان ويقال في مقابل ذلك :
خرست شقاشقه .
( 2 ) الراء : الرأي .
( 3 ) في مقدمة دلائل الإعجاز : ص ( ف - ص ) .
( 4 ) دلائل الإعجاز : ص 25 - 26 .