المصاقع والشعراء المفلّقون « 1 » وقد وصفهم اللّه تعالى في كتابه بالجدل واللدد ، فقال سبحانه :
ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ
« 2 » . وقال سبحانه :
وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا
« 3 » فكيف كان يجوز - على قول العرب ومجرى العادة مع وقوع الحاجة ولزوم الضرورة - أن يغفلوه ولا يهتبلوا الفرصة فيه « 4 » وأن يضربوا عنه صفحا ، ولا يجوزوا الفلح والظفر فيه ، لولا عدم القدرة عليه والعجز المانع منه .
قال : وهذا - من وجوه ما قيل فيه - أبينها دلالة وأيسرها مئونة . وهو مقنع لمن تنازعه نفسه مطالعة كيفيّة وجه الإعجاز فيه « 5 » .
ثمّ أخذ في بيان مذاهب أخرى في بيان وجه الإعجاز ، قال : وذهب قوم إلى أنّ العلّة في إعجازه الصّرفة ، أي صرف الهمم عن المعارضة ، وإن كانت مقدورا عليها ، غير معجوز عنها ، إلّا أنّ العائق من حيث كان أمرا خارجا عن مجاري العادات ، صار كسائر المعجزات . . . قال : وهذا أيضا وجه قريب ، الّا أنّ دلالة الآية تشهد بخلافه ، قال سبحانه :
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً
« 6 » فأشار في ذلك إلى أمر طريقه التكلّف والاجتهاد ، وسبيله التأهّب والاحتشاد . والمعنى في الصّرفة التي وصفوها لا يلائم هذه الصفة ، فدلّ على أنّ المراد غيرها ، واللّه أعلم .
قال : وزعمت طائفة أن إعجازه إنّما هو فيما يتضمّنه من الاخبار عن الكوائن في مستقبل الزمان ، نحو قوله سبحانه :
هامش
( 1 ) المصقع : البليغ . وشاعر مفلق - بزنة اسم الفاعل - مبدع .
( 2 ) الزخرف : 58 .
( 3 ) مريم : 97 .
( 4 ) اهتبال الفرصة : اغتنامها .
( 5 ) اي وهذا أيسر الوجوه لمن أراد الاقتناع النفسي ولو تقليدا وليس تحقيقا .
( 6 ) الاسراء : 88 .