4 - ومنها : إعجازه من وجهة التشريع العادل ونظام المدنية الراقية ، ممّا يترفّع بكثير عن مقدرة البشر الفكريّة والعقليّة ذلك العهد . ولا سيّما إذا قارناه مع شرائع كانت دارجة في أوساط البشر المتديّنة أو المتمدّنة فيما زعموا .
5 - ومنها : استقصاؤه للأخلاق الفاضلة ومبادئ الآداب الكريمة ، ممّا كانت تنبو عن مثل تلك العادات والرسوم التي كانت سائدة إلى ذلك العهد .
6 - ومنها : إخباراته الغيبية وإرهاصاته بتحكيم هذا الدين وإعلاء كلمة اللّه في الأرض في صراحة ويقين . . .
قال : هذا شيء قليل من البيان في الوجهات المذكورة ، وهب أنّ الوساوس تقتحم على الحقائق وتخالط الأذهان بواهيات الشكوك ، ولكن الزبد يذهب جفاء فأمّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض . . . وهل يسوغ لذي شعور أن يختلج في ذهنه الشك - بعد هذا - في إعجاز القرآن ، وهو الكتاب الجامع بفضيلته لهذه الكرامات الباهرة وخروجه عن طوق البشر مطلقا ، وخصوصا في ذلك العصر وفي تلك الأحوال ، وهل يسمح عقله إلّا بأن يقول :
إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى
« 1 » وصدق اللّه العظيم « 2 » .
9 - وهكذا ذهب سيّدنا الطباطبائي مذهب شيخه البلاغي في وجوه الإعجاز ، قال : وقع التحدّي الصريح بوجه عامّ ، ولم يخصّ جانب بلاغته فحسب ليختصّ بالعرب العرباء أو المخضرمين قبل أن يفسد لسانهم بالاختلاط مع الأجانب . وكذا كلّ صفة خاصّة اشتمل عليها القرآن ، كالمعارف الحقيقية والأخلاق الفاضلة والأحكام التشريعيّة وإخباره بالمغيّبات وغيرها ممّا لم تبلغها البشريّة ولم يمكنها بلوغ كنهها إطلاقا . فالتحدّي يشمل الجميع وفي جميع ما يمكن فيه التفاضل من الصفات .
هامش
( 1 ) النجم : 4 .
( 2 ) راجع تفصيل ما اقتضبناه من مقدّمة تفسيره آلاء الرحمن : ص 3 - 16 .