شأن من شؤونه المعتصمة بعصمة اللّه تعالى ، قال : « من رآني فقد رآني فإنّ الشيطان لا يتمثّل بي » « 1 » . وقد فهم العلماء من هذا الحديث قاعدة كليّة :
لا يستطيع إبليس التمثّل بأيّ وليّ من أولياء اللّه العباد المخلصين ، وبالأحرى :
عدم استطاعته التمثّل بجبرائيل ، ملك الوحي المقرّب الأمين ! ! إذن فأنّى لإبليس التلاعب بوحي السماء ، أو أن ينتحل صورة رسول من رسل اللّه الأكرمين ! كلّا ،
« لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ »
« 2 » .
3 - تهافته مع آي السورة :
قال القاضي عياض - أيضا - : « ووجه ثان ، وهو استحالة هذه القصة نظرا وعرفا ، وذلك أنّ هذا الكلام لو كان - كما روي - لكان بعيد الالتئام ، متناقض الأقسام ، ممتزج المدح بالذمّ ، متخاذل التأليف والنظم ، ولما كان النبيّ ( صلى اللّه عليه وآله ) ولا من بحضرته من المسلمين وصناديد المشركين ممّن يخفى عليه ذلك . وهذا لا يخفى على أدنى متأمّل ، فكيف بمن رجح حلمه واتسع في باب البيان ومعرفة فصيح الكلام علمه » « 3 » .
أفهل يتصوّر بشأن النبي محمد ( صلى اللّه عليه وآله ) وهو العارف بمواقع الكلام ، الناقد لأفصح أقوال العرب الفصحاء ، أن يلتبس عليه شأن كلام ساقط ، لا يتناسب وسائر جمل وآيات كانت تنزل عليه حينذاك ؟ ! أم كيف ينسجم ما ذكروه مع قوله تعالى :
« إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ »
« 4 » أم كيف يقتنع المشركون - وهم أهل نقد وفصاحة - بتلك المجاملة المفضوحة : يقترن مدح مشكوك ، بذلك القدح الصارم ،
هامش
( 1 ) صحيح مسلم : ج 7 ص 57 .
( 2 ) الصافات : 8 .
( 3 ) الشفا : ج 2 ص 119 .
( 4 ) النجم : 23 .