أهل البصرة أحفظ من مصحف أهل الكوفة . لأنّ عثمان لمّا كتب المصاحف بلغه قراءة أهل الكوفة على حرف عبد اللّه . فبعث إليهم بالمصحف قبل أن يعرض - أي قبل مقابلته على سائر النسخ - وعرض مصحفنا ومصحف أهل البصرة قبل أن يبعث بهما « 1 » .
وهو تسريع في إرسال المصحف إلى قطر كبير قبل مقابلته بدقة .
كما وأنّ وجود اختلاف بين مصاحف الأمصار - على ما يحدّثنا ابن أبي داود أيضا « 2 » - لدليل على مدى الإهمال الذي سمحوا به في ناحية المقابلة والإتقان من صحّة النسخ .
وجانب أفضح من هذا التساهل الغريب : ما روى ابن أبي داود - أيضا - :
أنّهم عندما فرغوا من نسخ المصاحف أتوا به إلى عثمان ، فنظر فيه فقال : قد أحسنتم وأجملتم . أرى فيه شيئا من لحن ! - لكن - ستقيمه العرب بألسنتها ؟ ثم قال : لو كان المملي من هذيل والكاتب من ثقيف لم يوجد فيه هذا . ! « 3 » .
قلت : ما هذا الائتكال الغريب ، والفرصة في قدرته ؟ ! ألم يكن كتاب اللّه العزيز الحميد جديرا بالاهتمام به ليكون خلوا من كلّ خطأ أو لحن ؟ ! ثم ما هذا التمنّي الكاذب ، وفي استطاعته بدء الأمر أن يختار ممليا من هذيل وكتبة من ثقيف ، وهو يعلم أنّ فيهم الجدارة والكفاءة ، الأمر الذي كان يعوزه من انتدبهم من بطانته حينذاك ! ! نعم كانت مغبّة هذا التساهل أن حصلت اختلافات في القراءة فيما بعد ، وكان كرّا على ما فرّوا منه . وسنفصّل كلّ ذلك في فصول قادمة .
عدد المصاحف العثمانية :
اختلف المورّخون في عدد المصاحف الموحّدة التي أرسلت إلى الآفاق . قال ابن
هامش
( 1 ) المصاحف للسجستاني : ص 35 .
( 2 ) المصدر : ص 39 - 49 . وسنذكره في فصل قادم .
( 3 ) المصدر : ص 32 - 33 .