ثانيا : كان القسط الأوفر من إعجاز القرآن كامنا وراء هذا النظم البديع وفي أسلوبه هذا التعبيري الرائع ، من تناسب نغمي مرنّ ، وتناسق شعريّ عجيب ، وقد تحدّى القرآن فصحاء العرب وأرباب البيان - بصورة عامّة - لو يأتون بمثل هذا القرآن ،
لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً
« 1 » فلو جوّزنا - محالا - إمكان تدخّل يد بشريّة في نظم القرآن ، كان بمعنى إبطال ذاك التحدّي الصارخ . ومن ثم كان ما ينسب إلى ابن مسعود : جواز تبديل العهن بالصوف في الآية الكريمة « 2 » أو قراءة أبي بكر : « وجاءت سكرة الحق بالموت » « 3 » مكذوبا أو هو اعتبار شخصيّ لا يتّسم بالقرآنية في شيء .
ثالثا : اتفاق كلمة الامّة في جميع أدوار التاريخ على أنّ النظم الموجود والأسلوب القائم في جمل وتراكيب الآيات الكريمة هو من صنع الوحي السماوي لا غيره . الأمر الذي التزم به جميع الطوائف الإسلامية ، على مختلف نزعاتهم وآرائهم في سائر المواضيع . ومن ثم لم يتردّد أحد من علماء الأدب والبيان في آية قرآنيّة جاءت مخالفة لقواعد رسموها ، في أخذ الآية حجّة قاطعة على تلك القاعدة وتأويلها إلى ما يلتئم وتركيب الآية . وذلك علما منهم بأن النظم الموجود في الآية وحي لا يتسرّب إليه خطأ البتة ، وإنّما الخطأ في فهمهم هم وفيما استنبطوه من قواعد مرسومة .
مثال ذلك قوله تعالى :
« وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ »
« 4 » فزعموا أنّ الحال لا تتقدّم على صاحبها المجرور بحرف ، والآية جاءت مخالفة لهذه القاعدة .
ومن ثم وقع بينهم جدال عريض ودار بينهم كلام في صحّة تلك القاعدة وسقمها « 5 » ولجأ ابن مالك أخيرا إلى نبذ القاعدة بحجّة أنّها مخالفة للآية ، قال :
هامش
( 1 ) الاسراء : من الآية 88 .
( 2 ) القارعة : 5 . راجع ابن قتيبة تأويل مشكل القرآن : ص 19 .
( 3 ) ق : 19 . راجع تفسير الطبري : ج 26 ص 100 .
( 4 ) سبأ : 28 .
( 5 ) راجع خالد الأزهري في شرح التوضيح . والكشاف للزمخشري .