إذن فالصحيح في الآية الأولى هو ما قاله أبو جعفر الطبري : هي عامّة ، تصف موقف الإنسان عموما تجاه رسالات الأنبياء ( عليهم السلام ) : فمن منكر معاند لا يصدّق بأي رسالة جاءت من قبل اللّه . وآخر مسترسل ضعيف يؤمن بكلّ دعوى رساليّة ، حتى ولو كانت نزغة شيطانيّة ، من غير تدبّر ولا تفكير صحيح . ومن ثم وبّخت الآية هذا النمط من الاسترسال الهابط ، وتلك الجرأة الظالمة تجاه ربّ العزّة ، فيفترى عليه تعالى ظلما وعدوانا . ولا مساس للآية بقضية ابن أبي سرح بالخصوص .
على أنّ قوله تعالى :
« سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ »
لا ينطبق مع موقف ابن أبي سرح تجاه رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) . نعم كان ينطبق عليه لو كانت الآية هكذا : « سأنزل مثل ما أنزل محمد » . . . ! وقد ناقض سيد قطب هنا بشأن الآية ، ففي موضع رجّح كون السورة مكيّة كلّها ، وفي موضع آخر اعتمد على روايات الاستثناء ! « 1 » .
* * * الخامسة : قوله تعالى :
« أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ »
« 2 » .
وليس في الآية ما يدعو إلى الظنّ بأنّها مدنيّة إلّا ذكر أهل الكتاب فيها .
وقد سبق أنّ هذا وحده ليس دليلا ، فقد ورد مثلها في آيات مكيّة كثيرا .
ويرجع السبب إلى ثقة العرب المشركين بمن جاور بلادهم من أهل الكتاب ، فيرونهم أهل علم ودراية ، ومن ثم قال تعالى :
« فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ *
هامش
القمي : ج 1 ص 210 من نزول آية الأنعام ( 93 ) بشأن ابن أبي سرح ، ففيه من المناكير ما يرفض صدوره من المعصوم ( عليه السلام ) إذ فيه أنّ رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) كان يقرّه على تبديله النّص ويقول له : هو واحد . . ! !
( 1 ) في ظلال القرآن : ج 7 ص 106 و 306 .
( 2 ) الانعام : 114 .