لأنّ مبادئ الملل والدول هي التي تؤرّخ بها . لكونها أشرف الأوقات . ولأنّها أيضا أوقات مضبوطة معلومة « 1 » . وهكذا فسّر الزمخشري الآية بذلك ، قال :
« ابتدئ فيه إنزاله » « 2 » .
وهو الذي نرتئيه ، نظرا لأنّ كلّ حادث خطير ، إذا كانت له مدّة وامتداد زمنيّ ، فإنّ بدء شروعه هو الذي يسجّل تاريخيّا كما إذا سئل عن تاريخ دولة أو مؤسّسة أو تشكيل حزبيّ ، أو إذا سئل عن تاريخ دراسة طالب علم أو تلبّسه الخاصّ وأمثال ذلك ، فإنّ الجواب هو تعيين مبدأ الشروع أو التأسيس لا غير .
وأيضا : فإنّ قوله تعالى :
« أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ »
والآيات الأخر ، حكاية عن أمر سابق لا يشمل نفس هذا الكلام الحاكي وإلّا لكان اللفظ بصيغة المضارع أو الوصف . فنفس هذا الكلام دليل على أنّ من القرآن ما نزل متأخرا عن ليلة القدر ، اللهمّ إلّا بضرب من التأويل غير المستند ، على ما سيأتي .
كما أنّ اختلاف مناسبات الآيات ، حسب الظروف والدواعي ، أكبر دليل على اختلاف مواقع نزولها ، إذ يربط ذلك كلّ آية بحادثة في قيد وقتها ، وهذا في كلّ آية نزلت بشأن حدث أو واقعة وقعت في وقتها الخاصّ ، وجاءت آية تعالجها في نفس الوقت . كلّ ذلك دليل على أنّ القرآن لم ينزل جملة واحدة .
وإلّا لما كان موقع لقولة المشركين :
« لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً »
قال تعالى - ردّا على هذا الاعتراض -
« كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا »
« 3 » .
أي كان نزول القرآن تباعا وفي فترات مناسبة أدعم لاطمئنان قلبك ، حيث الشعور بعناية اللّه المتواصلة في كلّ آونة ومناسبة « 4 » .
وذهب إلى هذا الرأي - أيضا - ابن شهرآشوب في المناقب ، قال : شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن أي ابتدأ نزوله . وقال في متشابهات القرآن :
هامش
( 1 ) التفسير الكبير : ج 5 ص 85 .
( 2 ) الكشاف : ج 1 ص 227 .
( 3 ) الفرقان : 32 .
( 4 ) راجع الإتقان : ج 1 ص 41 .