تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة القرآنية ( خصائص السور ) — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
عن الخضوع والتذلّل ، وهما ضد العلوّ والتعزّز . إذ كان الطائر إنّما يخفض جناحه إذا ترك الطيران ، والطيران هو العلوّ والارتفاع . وقد يستعار ذلك لفرط الغضب والاستشاطة . فيقال قد طار فلان طيرة ، إذا غضب واستشاط . وقد أومأنا إلى هذا المعنى فيما تقدّم . وإنّما قال سبحانه :
وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ
[ الآية 24 ] ليبيّن تعالى أنّ سبب الذل لهما الرأفة والرحمة ، لئلّا يقدّر أنه الهوان والضراعة . وهذا من الأغراض الشريفة ، والأسرار اللطيفة . وقوله سبحانه :
وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ
[ الآية 29 ] وهذه استعارة . وليس المراد بها اليد التي هي الجارحة على الحقيقة ، وإنّما الكلام الأول كناية عن التقتير ، والكلام الاخر كناية عن التبذير وكلاهما مذموم ، حتى يقف كل منهما عند حدّه ، ولا يجري إلّا إلى أمده . وقد فسّر هذا قوله سبحانه :
وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً
( 67 ) [ الفرقان ] . وقوله سبحانه :
وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً
[ الآية 46 ] . وهذه استعارة لأنه ليس هناك على الحقيقة كنان على قلب ، ولا وقر في سمع . وإنّما المراد أنهم ، لاستثقالهم سماع القرآن عند أمر اللّه سبحانه نبيّه عليه السلام بتلاوته على أسماعهم وإفراغه في آذانهم ، كالذين على قلوبهم أكنّة دون علمه ، وفي آذانهم وقر دون فهمه ، وإن كانوا من قبل نفوسهم أتوا ، وبسوء اختيارهم أخذوا ؛ ولو لم يكن الأمر كذلك ، لما ذمّوا على اطّراحه ، ولعذروا بالإضراب عن استماعه . وقوله سبحانه :
نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى
[ الآية 47 ] وهذه استعارة لأن النجوى مصدر كالتقوى . وإنّما وصفوا بالمصدر ، لما في هذه الصفة من المبالغة في ذكر ما هم عليه ، من كثرة تناجيهم ، وإسرار المكايد بينهم . والصفة بالمصادر تدلّ على قوة الشيء الموصوف بذلك مثل قولهم : رجل رضا وقوم عدل . وما يجرى هذا المجرى . وقوله سبحانه :
وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً
[ الآية 59 ] . وهذه استعارة . والمعنى : جعلنا الناقة آية مبصرة ، أي