تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة القرآنية ( خصائص السور ) — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
دلالة عليه في اللفظ ، بل أبلغ ، لأنه أضمر في اللفظ ما يناقضه وينافيه ؛ وهو قوله تعالى
فَفَسَقُوا
فكأنه أظهر شيئا ، وادّعى إضمار نقيضه ، فكان صرف الأمر إلى ما ذكرنا من المجاز ، هو الوجه ؛ هذا كله كلام الزمخشري ، ولا أعلم أحدا من أئمّة التفسير صار إليه غيره ؛ ثم إنه أيّد فقال : ونظيره أمر « شاء » ، في أن مفعوله استفاض فيه الحذف ، لدلالة ما بعده تقول : لو شاء فلان لأحسن إليك ، ولو شاء لأساء إليك ، تريد لو شاء الإحسان الأحسن ، ولو شاء الإساءة إليك لأساء ، فلو ذهبت تضمر خلاف ما أظهرت فتعني ، ولو شاء الإساءة لأحسن إليك ، ولو شاء الإحسان لأساء إليك ؛ وتقول قد دلّت حال من أسدت إليه المشيئة ، أنه من أهل الإحسان دائما ، ومن أهل الإساءة دائما : فيترك الظاهر المنطوق به ، ويضمر ما دلت عليه حال صاحب المشيئة ، لم تكن على سداد . فإن قيل : على الوجه الأول ، لو كان المضمر المحذوف الأمر بالطاعة كان مخصوصا بالمترفين ، لأن أمر اللّه تعالى بالطاعة ، عامّ للمترفين وغيرهم . قلنا : أمر اللّه بالطاعة وإن كان عامّا ، ولكن لمّا كان صلاح الأمراء والرؤساء وفسادهم ، مستلزما لصلاح الرعيّة وفسادها غالبا ؛ خصّهم بالذكر . ويؤيد هذا ما جاء في الخبر « صلاح الوالي صلاح الرعيّة ، وفساد الوالي فساد الرعيّة » . فإن قيل : قوله تعالى
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ
[ الآية 18 ] يدل على أن من لم يزهد في الدنيا ولم يتركها ، كان من أهل النار ، والأمر بخلافه . قلنا : المراد من كان يريد بإسلامه وطاعته وعبادته الدنيا لا غير ، ومثل هذا لا يكون إلّا كافرا أو منافقا ؛ ولهذا قال ابن جرير : هذه الآية لمن لا يؤمن بالمعاد ، وأما من أراد من الدنيا قدر ما يتزوّد به إلى الآخرة ، فكيف يكون مذموما ؛ مع أن الاستغناء عن الدنيا بالكلّيّة وعن جميع ما فيها ، لا يتصوّر في حق البشر ، ولو كانوا أنبياء ، فعلم أن المراد ما قلنا . فإن قيل : لم قال تعالى :
وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً
( 20 ) أي ممنوعا ، ونحن نرى ونشاهد في الواقع ، أن واحدا أعطاه قناطير مقنطرة ، وآخر منعه العطاء حتى الحبّة ؟ قلنا : المراد بالعطاء هنا الرزق ، واللّه
الموسوعة القرآنية ( خصائص السور ) — صفحة 96 | جعفر شرف الدين