تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة القرآنية ( خصائص السور ) — صفحة 269

مساهمون:

ص٢٦٩
فإن قيل : كيف قال هابيل لقابيل كما ورد في التنزيل :
إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ
[ الآية 29 ] أي تنصرف بهما مع أن إرادة السوء والوقوع في المعصية للأجنبي حرام ، فكيف للأخ ؟ قلنا : فيه إضمار حرف النفي تقديره : إني أريد أن لا تبوء بإثمي وإثمك كما في قوله تعالى :
وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ
[ النحل / 15 ] ، أي أن لا تميد بكم وقوله تعالى
تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ
[ يوسف / 85 ] وقول امرئ القيس :
فقلت يمين اللّه أبرح قاعدا
الثاني أن فيه حذف مضاف تقديره : إني أريد انتفاء أن تبوء بإثمي وإثمك كما في قوله تعالى :
وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ
[ البقرة / 93 ] ، أي حب العجل . الثالث أن معناه : إني أريد ذلك إن قتلتني لا مطلقا . الرابع أنه كان ظالما ، وجزاء الظالم تحسن إرادة من اللّه تعالى فتحسن من العبد أيضا . فإن قيل : قوله تعالى
فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ
( 31 ) يدل على أن قابيل كان تائبا لقوله عليه الصلاة والسلام « الندم توبة » فلا يستحق النار . قلنا : لم يكن ندمه على قتل أخيه ، بل على حمله على عنقه سنة ، أو على عدم اهتدائه إلى الدفن الذي تعلمه من الغراب ، أو على فقد أخيه لا على المعصية ، ولو سلمنا أن ندمه كان على قتل أخيه ، ولكن يجوز أن الندم لم يكن توبة في شريعتهم بل في شريعتنا ، أو نقول : التوبة تؤثر في حقوق اللّه تعالى لا في حقوق العباد ، والدم من حقوق العباد فلا تؤثر فيه التوبة . فإن قيل : كيف يكون قتل الواحد كقتل الكل « 1 » ، وإحياء الواحد كإحياء الكل والدليل يأباه من وجهين : أحدهما أن الجناية كلما تعددت وكثرت كانت أقبح فتناسب زيادة الإثم والعقوبة ، هذا هو مقتضي العقل والحكمة . الثاني أن المراد بهذا التشبيه إما أن يكون تساوي قتل الواحد والكل في الإثم والعقوبة ، أو تقاربهما ، وإنما كان يلزم منه أنه إذا قتل الثاني أو الثالث وهلم جرا أن لا يكون عليه إثم آخر ، ولا يستحق عقوبة أخرى لأنه أثم إثم قتل الكل واستحق عقوبة قتل الكل
هامش
( 1 ) . إشارة إلى الآية 32 من سورة المائدة .
الموسوعة القرآنية ( خصائص السور ) — صفحة 269 | جعفر شرف الدين