تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة القرآنية ( خصائص السور ) — صفحة 16

مساهمون:

ص١٦

( 8 ) سنن اللّه ماضية وقوانينه عامة

انتصر المسلمون في غزوة بدر في العام الثاني من الهجرة نصرا كاملا باهرا بأيسر الجهد والبذل . فقد خرج ذلك العدد القليل من المسلمين غير مزودين بعدة ولا عتاد ، إلا اليسير ، فلاقوا ذلك الجحفل الضخم من قريش في عدتهم وعتادهم . ثم لم تلبث المعركة أن انجلت عن ذلك النصر المؤزّر الباهر . وكان هذا النصر في الواقعة الأولى التي يلتقي فيها جند اللّه بجند الشرك قدرا من اللّه ندرك اليوم طرفا من حكمته ، ولعله كان لتثبيت الدعوة الناشئة وتمكينها بل لإثبات وجودها الفعلي على محك المعركة لتأخذ بعد ذلك طريقها . ولعلّه قد وقع ، في نفوس المسلمين ، من هذا النصر ، أنه الشأن الطبيعي الذي لا شأن غيره ، وأنه لا بد ملازمهم على أي حال في كل مراحل الطريق ، أليسوا بالمسلمين ؟ أليس أعداؤهم بالكافرين ؟ وإذن فهو النصر لا محالة حيثما التقى المسلمون بالكافرين . غير أن سنّة اللّه في النصر والهزيمة ليست بهذه الدرجة من البساطة والسذاجة . فلهذه السنة مقتضياتها في تكوين النفوس وتكوين الصفوف ، وإعداد العدة واتباع المنهج والتزام الطاعة والنظام ، واليقظة لخوالج النفس ولحركات الميدان . وهذا ما أراد اللّه أن يعلمهم إياه بالهزيمة في ( غزوة أحد ) على النحو الذي تعرضه سورة آل عمران عرضا حيا مؤثرا عميقا ، وتعرض أسبابه من تصرفات بعض المسلمين ، وتوجه في ظله العظات البناءة للنفس وللصف المسلم على السواء . وحين نراجع غزوة أحد نجد أن تعليم المسلمين هذا الدرس قد كلفهم أهوالا وجراحات وشهداء من أعز الشهداء ، على رأسهم حمزة رضي اللّه عنه وأرضاه ، وكلفهم ما هو أشق من ذلك كله على نفوسهم ، كلفهم أن يروا رسولهم الحبيب تشج جبهته ، وتكسر سنه ، ويسقط في الحفرة ، ويغوص حلق المغفر في وجنته ( ص ) ؛ الأمر الذي لا يقوم بوزنه شيء في نفوس المسلمين . ويسبق استعراض ( غزوة أحد ) وأحداثها في السورة قطاع كبير تستغرقه كله توجيهات متشعبة لتصفية