يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ
وقال عزّ وجلّ :
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ
وقال تعالى :
بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ
وفي موضع :
وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا
وذلك نحو : أدركني الجهد وأدركت الجهد ولا يصح بلغني المكان وأدركني ، والبلاغة تقال على وجهين : أحدهما أن يكون بذاته بليغا وذلك بأن يجمع ثلاثة أوصاف صوابا في موضع لغته وطبقا للمعنى المقصود به وصدقا في نفسه ومتى اخترم وصف من ذلك كان ناقصا في البلاغة . والثاني : أن يكون بليغا باعتبار القائل والمقول له وهو أن يقصد القائل أمرا فيرده على وجه حقيق أن يقبله المقول له ، وقوله تعالى :
وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً
يصح حمله على المعنيين وقول من قال معناه قل لهم إن أظهرتم ما في أنفسكم قتلتم ، وقول من قال خوفهم بمكاره تنزل بهم ، فإشارة إلى بعض ما يقتضيه عموم اللفظ والبلغة ما يتبلغ به من العيش .
( بلى ) : يقال بلى الثوب بلى وبلاء أي خلق ومنه قيل لمن : سافر بلاه سفر أي أبلاه السفر وبلوته اختبرته كأني أخلقته من كثرة اختبارى له ، وقرئ :
هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ
أي نعرف حقيقة ما عملت ، ولذلك قيل أبليت فلانا إذا اختبرته ، وسمى الغم بلاء من حيث إنه يبلى الجسم ، قال تعالى :
وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ
-
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ
الآية ، وقال عزّ وجلّ :
إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ
وسمى التكليف بلاء من أوجه : أحدها أن التكاليف كلها مشاق على الأبدان فصارت من هذا الوجه بلاء والثاني أنها اختبارات ولهذا قال اللَّه عزّ وجلّ :
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ
والثالث أن اختبار اللَّه تعالى للعباد تارة بالمسار ليشكروا وتارة بالمضار ليصبروا فصارت المحنة والمنحة جميعا بلاء فالمحنة مقتضية للصبر والمنحة مقتضية للشكر ، والقيام بحقوق الصبر أيسر من القيام بحقوق الشكر ، فصارت المنحة أعظم البلاءين وبهذا النظر قال عمر : بلينا بالضراء فصبرنا وبلينا بالسراء فلم نصبر ، ولهذا قال أمير المؤمنين من وسع عليه دنياه فلم يعلم أنه قد مكر به فهو مخدوع عن عقله ، وقال تعالى :
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً
-
وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً
وقوله عزّ وجلّ :
وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ
راجع إلى الأمرين . إلى المحنة التي في قوله عزّ وجلّ :
يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ
وإلى المنحة التي أنجاهم وكذلك قوله تعالى :
وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا