فالأولى محمولة على التوحيد بدليل قوله بعدها :
وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
والثانية على الأعمال . وقيل : بل الثانية ناسخة للأولى .
وكقوله :
فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً
: مع قوله :
وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ
.
فالأولى تفهم إمكان العدل ، والثانية تنفيه . والجواب أن الأول فيه توفية الحقوق ، والثانية في الميل القلبي ، وليس في قدرة الإنسان .
وكقوله :
إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ
مع قوله :
أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها
.
فالأولى في الأمر الشرعي ، والثانية في الأمر الكوني ، بمعنى القضاء والتقدير .
الثالث : لاختلافهما في جهتي الفعل كقوله :
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ
أضيف القتل إليهم والرمي إليه صلّى اللَّه عليه وسلم على جهة الكسب والمباشرة . ونفاه عنهم وعنه باعتبار التأثير .
الرابع : لاختلافهما في الحقيقة والمجاز :
وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى
أي سكارى من الأهوال مجازا لا من الشراب حقيقة .
الخامس : بوجهين واعتبارين ، كقوله ،
فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ
، مع قوله :
خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ
، فبصرك ، أي علمك ومعرفتك بها قوية ، من قولهم ، بصر بكذا ، أي علم ، وليس المراد رؤية العين ، ويدل على ذلك قوله :
فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ
.
وكقوله :
الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ
مع قوله :
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ
، فقد يظن أن الوجل خلاف الطمأنينة . وجوابه أن الطمأنينة تكون بانشراح الصدر بمعرفة التوحيد ، والوجل يكون عند خوف الزيغ والذهاب عن الهدى ، فتوجل القلوب لذلك ، وقد جمع بينهما في قوله :
تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ
.
ومما استشكلوه قوله تعالى :
وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى
( م 13 - الموسوعة القرآنية - ج 2 )