القاضي أن تحمل هذه الآية على ظاهرها ، وبأن يكون سبحانه وتعالى خالق لأعمال العباد ، وبرّر ذلك القاضي بعدة وجوه ، وبعد أن ذكر هذه الوجوه قال القاضي ما نصّه : « فثبت بهذه الوجوه أنه لا بدّ من التأويل لو دلت الآية بظاهرها عليه ، فكيف ولا دلالة فيها البتة . . . » « 1 » . وذهب القاضي إلى ضرورة التأويل في الآية 12 من سورة المؤمنون « 2 » ، والآية 69 من سورة النساء « 3 » ، وكذلك ففي تفسيره للآية 15 من سورة الليل ، أكد القاضي على عدم إمكانية إجراء هذه الآية على ظاهرها ، واستدلّ على ذلك بعدة وجوه « 4 » .
إذن ، نفهم من كل هذا ، أن القاضي أكد على ضرورة حمل النص القرآني على الظاهر أولا ، وفي حال العذر نلجأ إلى التأويل .
ب - وأما المنهج الثاني في تفسير القاضي فهو ضرورة حمل الآية على المعنى الشرعي لا المعنى اللّغوي ، ويظهر ذلك في الآية 222 من سورة البقرة ، حيث ذهب أبو مسلم الأصفهاني المعتزلي ( ت 322 ه ) ، إلى « أن ( التوبة ) في اللّغة عبارة عن الرجوع ، ورجوع العبد إلى اللّه تعالى في كل الأحوال محمود » . فاعترض القاضي على هذا الكلام ، فقال ما نصّه : « ( التوبة ) » وإن كانت في أصل اللغة عبارة عن الرجوع ، إلّا « أنها في عرف الشرع عبارة عن الندم على ما فعل في الماضي ، والترك في الحاضر ، والعزم على أن لا يفعل مثله في المستقبل ، فوجب حمله على هذا المعنى الشرعي دون المفهوم اللغوي » « 5 » .
ج - وأما المنهج الثالث عند القاضي فهو إذا أمكن حمل الآية على معنى من غير إثبات النسخ كان أولى ، فلذلك رفض القاضي ما روي عن معاذ ، وعطاء ، وابن عباس بأن قوله تعالى :
أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ
أنها غير شهر رمضان ، وكانت ثلاثة أيام من كل شهر ثم نسخ بصوم شهر رمضان « 6 » ، فطعن القاضي
هامش
( 1 ) م . ن ، سورة الفرقان ، الآية 2 .
( 2 ) م . ن ، سورة المؤمنون ، الآيتان ، 11 و 12 .
( 3 ) م . ن ، سورة النساء ، الآية 69 .
( 4 ) م . ن ، سورة الليل ، الآية 15 .
( 5 ) راجع هذا التفسير ، سورة البقرة ، الآية 222 .
( 6 ) الطبرسي : مجمع البيان ، المجلد الثاني ، ص 493 ، طبعة دار المعرفة ، ط 6 .