فجأة وبإذن من صاحبه فقط وهو اللّه سبحانه ، وبلحظات خاطفة كما بينت خلال ردي على الشبهة السابقة ، فهو إذا ليس نتيجة فيضان نفسي ، أو كبت لمجموعة من التأملات احتشدت وتفجرت في نفس النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - لأن النبوة اصطفاء رباني علوي مسبوق ببعض الإرهاصات ، لا يعرف التدرج إلى ما يسمى النضج في النهاية .
2 - أمر نبوة محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - ليس أمرا بدعيا وإنما هو حلقة في سلسلة النبوة ، ولبنة في صرحها العظيم يعرفه كل أصحاب الديانات لذا فعند ما سمع ورقة ابن نوفل من رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - خبر الوحي قال له : هذا هو الناموس الذي أنزله اللّه على موسى - عليه السلام - « 1 » .
قال الأستاذ قحطان الدوري : [ إن الوحي أمر خارج عن النفس وهو الأساس الذي يبنى عليه الاعتقاد بالنبوات ، وهو الطريق الذي جاءت به العقائد . . ولذلك اهتم الأعداء بإثارة الشكوك حول الوحي ، والوحي أمر ثقيل لا يستطيعه إلا من ارتاض جسده على تحمل عبء النبوة ] « 2 » .
3 - الواقع التاريخي وسيرته - صلّى اللّه عليه وسلّم - تكذب وتبطل هذه الفرية :
أ - من ذلك ما نقلته لنا كتب السير قدوم عبد اللّه بن أم مكتوم يطلب من رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - أن يعلمه مما علمه اللّه في الوقت الذي كان جالسا يخاطب فيه زعماء قريش ويناجيهم طمعا في إسلامهم ، فانصرف عنه وعبس في وجهه . فعاتبه اللّه عز وجل على ذلك بصدر سورة عبس « 3 » .
وكذلك حادثة « 4 » أخذه الفدية بدلا من قتل الأسرى في عقب غزوة بدر فنزل عتابه بقوله تعالى :
هامش
( 1 ) إرشاد الساري لشرح البخاري - كتاب كيف كان بدء الوحي إلى رسول اللّه - 1 / 65 .
( 2 ) انظر تصحيح المفاهيم - أنور الجندي ص 54 - 56 .
( 3 ) أسباب النزول للواحدي ص 332 ( طبعة مكتبة المتنبي - القاهرة ) .
( 4 ) نفس المرجع ص 178 .