فيما يستقبله من الزمان ) ، وقال الألوسي : ( كأنه قيل : دع تعنيفه فإنه أشط من ذلك وأنى يرتدع ، وهو يريد ليدوم على فجوره فيما بين يديه من الأوقات ، وفيما يستقبله من الزمان لا ينزع عنه ) ، أقول : هذه هي العلة الحقيقية للكفر بيوم القيامة ، وإنكار الحساب أن الإنسان يرغب ألا يقيد أهواءه قيد ، ومن ثم فإنه ينكر اليوم الآخر لما يترتب على إيمانه به من قيود وضوابط يقتضيها قبول التكليف الإلهي ،
ثم قال تعالى :
يَسْئَلُ أَيَّانَ
أي : متى
يَوْمُ الْقِيامَةِ
، قال ابن كثير : ( أي : يقول متى يكون يوم القيامة ؟ ! وإنما سؤاله سؤال استبعاد لوقوعه ، وتكذيب لوجوده )
قال تعالى مبينا حال هذا اليوم الذي يستبعدون وقوعه :
فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ
أي : تحير فزعا ، قال ابن كثير : والمقصود أن الأبصار تنبهر يوم القيامة ، وتخشع وتحار ، وتذل من شدة الأهوال ، ومن عظم ما تشاهده يوم القيامة من الأمور
وَخَسَفَ الْقَمَرُ
قال النسفي : ( أي : ذهب ضوؤه أو غاب )
وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ
قال مجاهد :
أي : كورا ، فأصبحتا كتلة واحدة . أقول : لعل ذلك يكون عندما تطوى السماء كطي السجل للكتب ، فيجمع عند ذلك كل شئ كما قال تعالى :
وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ
.
يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ
قال ابن كثير : أي : إذا عاين ابن آدم هذه الأهوال يوم القيامة حينئذ يريد أن يفر ، ويقول أين المفر ؟ أي : هل من ملجأ أو موئل ،
قال الله تعالى :
كَلَّا
ردع عن طلب المفر
لا وَزَرَ
أي : لا ملجأ ولا نجاة ، أي : ليس لكم مكان تعتصمون فيه
إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ
قال ابن كثير : أي : المرجع والمصير ، وقال النسفي : ( أي : مستقر العباد ، أو موضع قرارهم من جنة أو نار مفوض ذلك لمشيئة من شاء أدخله الجنة ، ومن شاء أدخله النار )
يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ
أي : يخبر
بِما قَدَّمَ
من عمل عمله
وَأَخَّرَ
ما لم يعمله ، قال ابن كثير : أي : يخبر بجميع أعماله قديمها وحديثها ، أولها وآخرها ، صغيرها وكبيرها
بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ
قال ابن كثير : أي : هو شهيد على نفسه عالم بما فعله ، ولو اعتذر وأنكر ، قال النسفي : والبصيرة : الحجة . أقول : والمعاذير : اسم جمع للمعذرة ، والمعنى : أن الإنسان يوم القيامة ينبأ بما قدم وأخر ، وهو وإن كان ينبأ لكنه هو نفسه يعلم حقيقة نفسه وعمله ، ولو اعتذر بلسانه بما اعتذر ، ذلك هو شأن يوم القيامة الذي يستبعده الكافر رغبة منه في الفجور عن أمر الله عزّ وجل .