بين يدي سورة القيامة :
قال الألوسي : ( ويقال لها سورة لا أقسم ، وهي مكية من غير حكاية خلاف ولا استثناء ، واختلف في عدد آيها ففي الكوفي أربعون ، وفي غيره تسع وثلاثون ، والخلاف في
لِتَعْجَلَ بِهِ
. ولما قال سبحانه وتعالى في آخر المدثر :
كَلَّا بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ
بعد ذكر الجنة والنار ، وكان عدم خوفهم إياها لإنكارهم البعث ، ذكر جل وعلا في هذه السورة الدليل عليه بأتم وجه ، ووصف يوم القيامة وأهواله وأحواله ، ثم ذكر ما قبل ذلك من خروج الروح من البدن ، ثم ما قبل من مبدأ الخلق على عكس الترتيب الواقعي ) .
وقال صاحب الظلال : ( هذه السورة الصغيرة تحشد على القلب البشري من الحقائق والمؤثرات والصور والمشاهد ، والإيقاعات واللمسات ، ما لا قبل له بمواجهته ولا التفلت منه . . . تحشدها بقوة ، في أسلوب خاص ، يجعل لها طابعا قرآنيا مميزا ، سواء في أسلوب الأداء التعبيري ، أو أسلوب الأداء الموسيقي ، حيث يجتمع هذا وذاك على إيقاع تأثير شعوري قوي ، تصعب مواجهته ويصعب التفلت منه أيضا ! ) .
( من تلك الحقائق الكبيرة التي تحشدها هذه السورة في مواجهة القلب البشري ، وتضرب بها عليه حصارا لا مهرب منه . . . حقيقة الموت القاسية الرهيبة التي تواجه كل حي ، فلا يملك لها ردا ، ولا يملك لها أحد ممن حوله دفعا . وهي تتكرر في كل لحظة ، ويواجهها الكبار والصغار ، والأغنياء والفقراء ، والأقوياء والضعاف ؛ ويقف الجميع منها موقفا واحدا . . . لا حيلة . ولا وسيلة . ولا قوة .
ولا شفاعة . ولا دفع . ولا تأجيل . . . مما يوحي بأنها قادمة من جهة عليا لا يملك البشر معها شيئا . ولا مفر من الاستسلام لها ، والاستسلام لإرادة تلك الجهة العليا ) .
( ومن تلك الحقائق الكبيرة التي تعرضها السورة ، حقيقة النشأة الأولى ، ودلالتها على صدق الخبر بالنشأة الأخرى ، وعلى أن هناك تدبيرا في خلق هذا الإنسان وتقديرا . . . وهي حقيقة يكشف الله للناس عن دقة أدوارها وتتابعها في صنعة مبدعة ،