تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 5538

مساهمون:

ص٥٥٣٨
هُمْ يُوقِنُونَ * أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
فهي تكمل البناء الذي بدأته سورة الذاريات ، فلئن كانت سورة الذاريات قد أمرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتذكير ، وبينت أن الذكرى تنفع المؤمنين ، فهذه تأمره بالتذكير المطلق ، وتحدد له معالم يناقش بها الكافرين ، وإذا كانت سورة الذاريات قد ذكرت الحكمة من خلق الخلق وهي العبادة ، فهذه السورة تأمر بأنواع من العبادة ، وإذا كانت سورة الذاريات قد وصفت المتقين بأنهم كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ، فهذه السورة تأمر بالتسبيح بحمد الله في قيام الليل ، وعند الأسحار ، وإذا كانت سورة الذاريات أجملت في تفصيل نعيم أهل الجنة ، وبما استحقوا هذا النعيم ، فإن سورة الطور تفصل في ذلك ، كما أنها تفصل في عذاب الكافرين ، وفي ما استحقوه ، وكل ذلك يأتي ضمن سياق السورة الخاص : فالسورة تبدأ بالقسم على أن عذاب الله آت ، وتبين كيف يعذب الكافرون وينعم المتقون ، وإذا كان أمام الإنسان ما أمامه ، فليذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الإنسان ، وليناقش الكافرين ، وإذا كان الكفار مع وجود الآيات يكفرون ، فليتركهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لمصيرهم ، وليصبر ، وليسبح بحمد الله في ليله ونهاره . إن فلاح المتقين يظهر في شيئين : في الخلاص من العذاب ، وفي تذوق النعيم ، والسورة تبين هذا وهذا ، ولقد ركزت سورة الذاريات على الصلاة والإنفاق من صفات المتقين ، وتركز سورة الطور على الإيمان من صفات المتقين :
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ
وركزت على الخوف والعبادة كطريقي نجاة :
إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ
. وهكذا نجد تفصيلا بشكل ما للآيات الأولى من سورة البقرة : سواء في ذلك قوله تعالى :
ألم * ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
فسورة الطور تناقش الذين لا يهتدون بكتاب الله :
أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ
. - أو قوله تعالى :
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
فسورة الطور تبين عذاب المكذبين ، وتناقشهم ، وتبين أن كل النعيم الذي يناله المتقون هم وذرياتهم بسبب الإيمان .