تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 5849

مساهمون:

ص٥٨٤٩
الْحَمِيدُ
المستحق للحمد ، وبعد أن أمر الله عزّ وجل بمعاداة الكافرين والبراءة منهم قال :
عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً
أي : محبة بعد البغضة ، ومودة بعد النفرة ، وألفة بعد الفرقة بأن يوفقهم للإيمان ، وقد كان ذلك للمهاجرين يوم فتح الله مكة فأسلم قومهم وتم بينهم التحاب
وَاللَّهُ قَدِيرٌ
على تقليب القلوب ، وتحويل الأحوال ، وتسهيل أسباب المودة
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
لمن أسلم من المشركين . قال ابن كثير : أي : يغفر للكافرين كفرهم إذا تابوا منه وأنابوا إلى ربهم وأسلموا له ، وهو الغفور الرحيم بكل من تاب إليه من أي ذنب كان ، وبعد أن قرر الله عزّ وجل أن الأصل بين المسلم والكافر العداء ، وأنه لا ولاء بينهما ذكر من يجوز بره من الكافرين ، وينبغي القسط فيه ، وحدد الذين لا تجوز موالاتهم بحال فقال :
لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ
قال النسفي : ( أي : تكرموهم وتحسنوا إليهم قولا وفعلا )
وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ
قال النسفي : أي : وتقضوا إليهم بالقسط ولا تظلموهم ، وإذا نهى عن الظلم في حق المشرك فكيف في حق المسلم
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
أي : العادلين والمعنى : لا ينهاكم الله عن بر الذين لم يقاتلوكم في الدين ، ولم يخرجوكم من دياركم ، ولا عن القسط فيهم ، لأن الله عزّ وجل يحب من اتصف بصفة العدل ثم قال تعالى محددا من تجب معاداته ، ولا تجوز موالاته
إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ
أي : أيدوا هذا الإخراج وعاونوا عليه
أَنْ تَوَلَّوْهُمْ
أي : أن تعطوهم أي مظهر من مظاهر الولاء
وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ
منكم
فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
حيث وضعوا التولي في غير موضعه ، ومعنى الآيتين : لا ينهاكم الله عن مبرة أولئك ، وإنما ينهاكم عن تولي هؤلاء ، وإنما ذكر جواز المبرة والقسط مع الأولين ، ولم يذكر الولاء ، وذكر تحريم الولاء مع الآخرين ؛ لأن الولاء لا يجوز أن يعطى أبدا إلا لأهل الإيمان . قال ابن كثير : ( أي : إنما ينهاكم عن موالاة هؤلاء الذين ناصبوكم بالعداوة ، فقاتلوكم وأخرجوكم وعاونوا على إخراجكم ، ينهاكم الله عزّ وجل عن موالاتهم ويأمركم بمعاداتهم ) فمواطنونا من غير المسلمين إذا لم يدخلوا في صراع معنا أو قتال ، وإذا لم يبذلوا جهدا من أجل إخراجنا من بلادنا فهؤلاء يجوز البر لهم ، والعدل فيهم ، أما الولاء لهم فلا ، وأعظم مظاهر الولاء في عصرنا الدخول معهم في حزب واحد ، يعطيهم المسلم من خلاله الولاء ، ويحجبه عن المسلمين ، وأما الذين يريدون استئصال ديننا وفتنتنا عنه فهؤلاء لا ولاء لهم بل عداء ،