تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 5752

مساهمون:

ص٥٧٥٢
أهلها هذا . أقول : إن هذه المعاني كلها من الدنيا التي رغب الله عنها وزهد فيها
كَمَثَلِ غَيْثٍ
وهو المطر
أَعْجَبَ الْكُفَّارَ
أي : الزراع
نَباتُهُ
قال ابن كثير : أي : يعجب الزراع نبات ذلك الزرع الذي نبت بالغيث ، وكما يعجب الزراع ذلك كذلك تعجب الحياة الدنيا الكفار ؛ فإنهم أحرص شئ عليها وأميل الناس إليها
ثُمَّ يَهِيجُ
أي : هذا النابت بالغيث
فَتَراهُ مُصْفَرًّا
بعد خضرته
ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً
أي : متفتتا . قال ابن كثير : ( أي : يصير يبسا متحطما ، هكذا الحياة الدنيا تكون أولا شابة ، ثم تكتهل ، ثم تكون عجوزا شوهاء ، والإنسان يكون كذلك في أول عمره ، وعنفوان شبابه غضا طريا لين الأعطاف ، بهي المنظر ، ثم إنه يشرع في الكهولة فتتغير طباعه ، ويفقد بعض قواه ، ثم يكبر فيصير شيخا كبيرا ضعيف القوى ، قليل الحركة ، يعجزه الشئ اليسير ) . وقال النسفي : ( شبه حال الدنيا وسرعة تقضيها مع قلة جدواها بنبات أنبته الغيث فاستوى وقوي وأعجب به الكفار الجاحدون لنعمة الله فيما رزقهم من الغيث والنبات ، فبعث عليه العاهة فهاج واصفر وصار حطاما ؛ عقوبة لهم على جحودهم كما فعل بأصحاب الجنة وصاحب الجنتين ) . قال ابن كثير : ولما كان هذا المثل دالا على زوال الدنيا وانقضائها وفراغها لا محالة ، وأن الآخرة كائنة لا محالة حذر من أمرها ورغب فيما فيها من الخير فقال :
وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ
للكفار
وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ
للمؤمنين . قال النسفي : ( يعني أن الدنيا وما فيها ليست إلا من محقرات الأمور ، وهي اللعب واللهو والزينة والتفاخر والتكاثر ، وأما الآخرة فما هي إلا أمور عظام ، وهي العذاب الشديد والمغفرة والرضوان من الله الحميد )
وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ
أي : لمن ركن إليها واعتمد عليها . قال ابن كثير : ( أي : هي متاع فان غار لمن ركن إليه ؛ فإنه يغتر بها وتعجبه حتى يعتقد أنه لا دار سواها ولا معاد وراءها ) ، وهكذا عرفنا الله على حقيقة الدنيا وحقيقة الآخرة ، مع إقامة الدليل على مجىء اليوم الآخر ، وإذ استقرت تفاهة الدنيا بالنسبة للآخرة يأتي الآن الأمر بالمسابقة إلى الآخرة . قال النسفي : ولما حقر الدنيا وصغر أمرها ، وعظم أمر الآخرة ، بعث عباده على المسارعة إلى نيل ما وعد من ذلك وهي المغفرة المنجية من العذاب الشديد والفوز بدخول الجنة يقول :
سابِقُوا
أي : بالأعمال الصالحة أو سارعوا مسارعة السابقين لأقرانهم في المضمار
إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ
قال ابن كثير : حث الله تعالى على المبادرة إلى الخيرات من فعل الطاعات وترك المحرمات التي تكفر عن الذنوب والزلات ، وتحصل الثواب والدرجات
وَجَنَّةٍ
الأساس في التفسير — صفحة 5752 | سعيد حوى