تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 5646

مساهمون:

ص٥٦٤٦
وإخلاؤها من العاطف لمجيئها على نمط التمديد كما تقول زيد أغناك بعد فقر ، أعزك بعد ذل ، كثرك بعد قلة ، فعل بك ما لم يفعل أحد بأحد ما تنكر من إحسانه ) .
خَلَقَ الْإِنْسانَ * عَلَّمَهُ الْبَيانَ
قال الحسن البصري : يعني النطق ، ورجح ابن كثير ذلك فقال : ( لأن السياق في تعليمه تعالى القرآن ، وهو أداء تلاوته ، وإنما يكون ذلك بتيسير النطق على الخلق ، وتسهيل خروج الحروف من مواضعها من الحلق واللسان والشفتين على اختلاف مخارجها وأنواعها ) . أقول : وفي كتابنا : ( الرسول صلى الله عليه وسلم ) بينا في مقدمته أن الإنسان مخلوق متفرد ، ومن جملة تفرده تفرده بالبيان ، فكل الحيوانات لا تخرج إلا أصواتا مبهمة ، ومن يخرج حرفا كالببغاء يخرجه محاكاة ، أما الإنسان فإنه يخرج أصواتا مبهمة ، ويخرج ثمانية وعشرين حرفا تتركب منها مليارات المليارات من الكلمات في كل لغات العالم ، والملاحظ هاهنا أن خلق الإنسان ذكره الله عزّ وجل بين تعليمين : تعليمه القرآن ، وتعليمه البيان ، وفي ذلك إشارة إلى أن ميزة الإنسان الأساسية استعداده للعلم ، وتقديمه ذكر القرآن يفيد أن أعظم ما يتعلمه الإنسان القرآن ، والتصريح بخلق الله الإنسان رد على من يزعم أن إنساننا الحالي لم يكن بخلق الله المباشر . وبعد ما مر تبدأ السورة تعرض علينا تتمة آلاء الله على الإنسان
الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ
أي : بحساب معلوم ، وتقدير سوي ، وفي ذلك منافع للناس لا تحصى : منها أنه لولا ذلك لما أمكنت الحياة أصلا ، ومنها أن يعلم الإنسان - بواسطة ذلك - عدد السنين والحساب . قال ابن كثير : ( أي يجريان متعاقبين بحساب مقنن لا يختلف ولا يضطرب )
وَالنَّجْمُ
أي : النبات الذي لا ساق له
وَالشَّجَرُ
النبات الذي له ساق
يَسْجُدانِ
قال النسفي : ( أي ينقادان لله تعالى فيما خلقا له تشبيها بالساجد من المكلفين في انقياده . . . ) وفي ذكر أن الشمس والقمر بحسبان ، وذكر سجود النبات لله تعالى تناسب وتقارب ، قال النسفي : ( وبيان التناسب أن الشمس والقمر سماويان والنجم والشجر أرضيان ، فبين القبيلين تناسب من حيث التقابل . وإن السماء والأرض لا تزالان قرينتين ، وإن جري الشمس والقمر بحسبان ، من جنس الانقياد لأمر الله فهو مناسب لسجود النجم والشجر ) . أقول : وفي المن على البشر بسجود النبات لله وانقياده له تبيان أن لهذا الانقياد علاقته بانتظام حياة الإنسان ؛ إذ لولا انتظام حياة النبات على سنن واحدة لما أمكنت حياة اقتصادية منتظمة في الحياة البشرية ولا غيرها
وَالسَّماءَ رَفَعَها
أي : جعلها مرفوعة عن الأرض ، وفي ذلك إبعاد للخطر عن الأرض
وَوَضَعَ الْمِيزانَ
قال ابن كثير : يعني العدل ، وقال