تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 5340

مساهمون:

ص٥٣٤٠
أصحاب الثارات كانوا يتجمعون في ظلال هذه الحرمة ، ويلقى الرجل قاتل أبيه أو أخيه فلا يرفع في وجهه سيفا ، ولا يصدّه عن البيت المحرم . ولكنهم خالفوا عن تقاليدهم الراسخة في هذا الشأن ؛ وصدوا رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - والمسلمين معه طوال السنوات الست التي تلت الهجرة . حتى كان العام السادس الذي أرى فيه رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - هذه الرؤيا . وحدّث بها أصحابه - رضوان اللّه عليهم - فاستبشروا بها وفرحوا . ورواية ابن هشام لوقائع الحديبية هي أوفى مصدر نستند إليه في تصورها . وهي في جملتها تتفق مع رواية البخاري ورواية الإمام أحمد ، ومع تلخيص ابن حزم في جوامع السيرة وغيرهم . قال ابن إسحاق : ثم أقام رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - بالمدينة شهر رمضان ، وشوالا ( بعد غزوة بني المصطلق وما جاء في أعقابها من حديث الإفك ) وخرج في ذي القعدة معتمرا لا يريد حربا . واستنفر العرب ومن حوله من أهل البوادي من الأعراب ؛ ليخرجوا معه وهو يخشى من قريش الذي صنعوا أن يعرضوا له بحرب ، أو يصدوه عن البيت . فأبطأ عليه كثير من الأعراب . وخرج رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - بمن معه من المهاجرين والأنصار ، ومن لحق به من العرب ؛ وساق معه الهدي ، وأحرم بالعمرة ، ليأمن الناس من حربه ، وليعلم الناس أنه إنما خرج زائرا لهذا البيت ومعظّما له . قال : وكان جابر بن عبد اللّه - فيما بلغني - يقول : كنا أصحاب الحديبية أربع عشرة مائة . قال الزهري : وخرج رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - حتى إذا كان بعسفان « 1 » لقيه بشر بن سفيان الكعبي . فقال : يا رسول اللّه ! هذه قريش قد سمعت بمسيرك ، فخرجوا معهم العوذ المطافيل « 2 » ، قد لبسوا جلود النمور ؛ وقد نزلوا بذي طوى ، يعاهدون اللّه لا تدخلها عليهم أبدا . وهذا خالد بن الوليد في خيلهم ، قد قدموها إلى كراع الغميم « 3 » . قال : فقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - : « يا ويح قريش ! لقد أكلتهم الحرب . ما ذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب ؟ فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا ، وإن أظهرني اللّه عليهم دخلوا في الإسلام وافرين ، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة . فما تظن قريش ؟ فو اللّه لا أزال أجاهد على الذي بعثني اللّه به حتى يظهره اللّه ، أو تنفرد هذه السالفة « 4 » . ثم قال : « من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم
هامش
( 1 ) عسفان : موضع بين مكة والمدينة على مرحلتين من مكة . ( 2 ) العوذة : التي لم تلد ، والمطافيل : ذوات الأطفال ، وهذا يقتضي أن يكون النص العوذ والمطافيل . ( 3 ) كراع الغميم : دار أمام عسفان بثمانية أميال . ( 4 ) السالفة : صفحة العنق ، يعني : أو أقتل . فإنها لا تنفرد إلا بالقتل .
الأساس في التفسير — صفحة 5340 | سعيد حوى