عليه السلام عن اتّباع الهوى ، وأمره إياه بالحكم بالحق ، وتبيانه جزاء الضالين يوم القيامة ، جاءت الآيتان التاليتان لذلك لتبيّنا ضرورة وجود اليوم الآخر وحكمته ، واقتضى هذا أن تأتي الآية الثالثة لتبيّن حكمة نزول القرآن ، إذ ما دام هناك يوم آخر فلا بدّ من وحي ، وكان هذا الوحي في الرسالة الخاتمة هو القرآن الذي أنزله اللّه للتدبّر والتذكّر ، فإذا اتضح هذا فلنتساءل ما محل هذه الآيات في سياق السورة والمقطع ؟
لاحظنا أن المقطع بدأ بقوله تعالى :
اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ . . .
فالمقطع يبدأ بالأمر بذكر داود عليه السلام مما يوحي أنّ المقطع يأتي من أجل تبيان نماذج من كون هذا القرآن ذكرا ؛ فهو يذكّر من خلال القصة والحادثة ، ويذكّر من خلال التقرير ، ويذكّر من خلال العرض ، وقد ذكّرنا في قصّة داود عليه السلام من خلال القصة ، وذكّرنا في الآيات الثلاث في الوسط من خلال التقرير ، وختم الآيات بتبيان وتأكيد كون القرآن مذكّرا
وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ
وصلة ذلك ببداية السورة
وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ
واضحة . فالسّورة نموذج على كون القرآن ذكرا .
ومجىء الآيات الثلاث بعد قوله تعالى :
يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ . . .
فيه إشارة إلى أهمية ما ورد في الآية ، حتى جاءت ثلاث آيات بعدها لتعضّد مضمونها ، فالحكم بالحق وترك اتباع الهوى من أعظم المقاصد في هذه الشريعة ، وفي ختم الآيات الثلاث بقوله تعالى :
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ . . .
فيه إشارة إلى أن القرآن هو ميزان الحق ، وميزان عدم اتباع الهوى ، وفي ختم الآية الأخيرة بقوله تعالى :
لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ
ما يفيد أن في السياق من العبر ما يحتاج إلى تدبّر ، وتذكّر كبيرين ، وبعد هذا الفاصل الذي خدم سياق السورة القريب والعام خدمات كثيرة يعود السياق إلى الحديث عن داود عليه السلام .
. . .
وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ
وفي ذكر هبة اللّه داود سليمان عليهما السلام في هذا المقام ما يشير إلى أنّ هذه الهبة مكافأة لداود عليه السلام على ما مرّ ، ممّا يشير إلى أنّه قد قام بحق الاستخلاف ، وحكم بالحق ، وترك اتباع الهوى
نِعْمَ الْعَبْدُ
أي سليمان
إِنَّهُ أَوَّابٌ
هذا تعليل لاستحقاقه الثناء ، والأواب : هو الكثير الرجوع إلى اللّه تعالى ، فكما كان أبوه أوّابا فهو أوّاب ، وكما أعطي أبوه ما أعطي ، فقد أعطي هو الكثير ؛ مكافأة له على أوّابيته ، وكما عرض اللّه عزّ وجل حادثة تدل على أوّابيّة داود عليه