تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 4776

مساهمون:

ص٤٧٧٦
هو مظنون الذين كفروا ، وإنما جعلوا ظانين أنه خلقها للعبث لا للحكمة مع إقرارهم بأنه خالق السماوات والأرض وما بينهما لقوله
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ *
لأنه لما كان إنكارهم للبعث والحساب والثواب والعقاب مؤديا إلى أن خلقها عبث وباطل جعلوا كأنهم يظنون ذلك ويقولونه ؛ لأن الجزاء هو الذي سيقت إليه الحكمة في خلق العالم ، فمن جحده فقد جحد الحكمة في خلق العالم ) .
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ
أي ويل لهم يوم معادهم ونشورهم من النار المعدّة لهم . ثم بيّن تعالى أنّه عزّ وجلّ من عدله وحكمته لا يساوي بين المؤمنين والكافرين فقال تعالى :
أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ * أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ
الاستفهام في الآية للإنكار . قال النّسفي : والمراد أنه لو بطل الجزاء - كما يقول الكافرون - لاستوت أحوال من أصلح وأفسد واتقى وفجر ، ومن سوّى بينهم كان سفيها ولم يكن حكيما . وقال ابن كثير في الآية : أي لا نفعل ذلك ( وهي التسوية بين المؤمنين والكافرين والمتقين والفجار ) ولا يستوون عند اللّه ، وإذا كان الأمر كذلك فلا بد من دار أخرى يثاب فيها المطيع ، ويعاقب فيها هذا الفاجر ، وهذا الإرشاد يدلّ العقول السليمة والفطر المستقيمة على أنّه لا بدّ من معاد وجزاء ؛ فإنا نرى الظالم الباغي يزداد ماله وولده ونعيمه ويموت كذلك ، ونرى المطيع المظلوم يموت بكمده ، فلا بدّ في حكمة الحكيم العليم العادل ، الذي لا يظلم مثقال ذرة ، من إنصاف هذا من هذا ، وإذا لم يقع هذا في هذه الدار . فتعيّن أن هناك دارا أخرى لهذا الجزاء والمواساة ، ولما كان القرآن يرشد إلى المقاصد الصحيحة ، والمآخذ العقلية الصريحة ، قال تعالى :
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ
أي هذا كتاب أنزلناه إليك يعني القرآن
لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ
أي ليتدبّروا آياته ومعناه : ليتفكّروا فيها فيقفوا على ما فيه ، ويعملوا به
وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ
أي وليتعظ بالقرآن أولو العقول . قال الحسن البصري : واللّه ما تدبره بحفظ حروفه وإضاعة حدوده ، حتى إن أحدهم ليقول قرأت القرآن كله ، ما يرى له القرآن في خلق ولا عمل . رواه ابن أبي حاتم . . . .

كلمة في السياق :

ذكرنا أن هذه الآيات الثلاث جاءت في وسط الكلام عن داود وسليمان عليهما السلام وارتباطها بالسياق القريب واضح كما رأينا . فبعد أن ذكر اللّه عزّ وجل نهيه داود