تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 4588

مساهمون:

ص٤٥٨٨
فكيف رأيت إنكاري عليهم عظيما شديدا بليغا ) وبعد أن لفت اللّه النظر إلى ما يثير الخشية منه من خلال ما فعل بالمكذّبين ، لفت النظر إلى مظاهر قدرته في هذا الكون من أجل أن يثير الخشية منه من خلال التعريف بعظمته فقال :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ
أي السحاب
ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ
أي بالماء
ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها
كالرمّان ، والتّفاح ، والتين ، والعنب ، وغيرها مما لا يحصر ، فمنها الأحمر والأصفر والأخضر وغير ذلك
وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ
أي طرق
بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها
أي ومن الجبال ذو جدد ، أي ذو طرق بيض وحمر
وَغَرابِيبُ سُودٌ
قال عكرمة : الغرابيب : الجبال الطوال السود . قال ابن كثير : ( وخلق الجبال كذلك مختلفة الألوان كما هو المشاهد أيضا ) . والغرابيب : جمع غربيب وهو القاتم السواد
وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ
أي كاختلاف الثمرات والجبال . ثم بعد أن عدّد اللّه عزّ وجل ما عدّد من آياته ، وأعلام قدرته ، وآثار صنعته ، وما خلق من الفطر المختلفة الأجناس ممّا يستدلّ به عليه وعلى صفاته . أتبع ذلك بقوله
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
أي العلماء الذين عرفوه بصفاته ؛ فعظّموه ، ومن ازداد علما به ازداد منه خوفا ، ومن كان علمه به أقل كان آمن . قال النسفي : ( وتقديم اسم اللّه تعالى وتأخير العلماء يؤذن أن معناه : أن الذين يخشون اللّه من عباده العلماء دون غيرهم )
إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ
هذا تعليل لوجوب الخشية ، لدلالته على عقوبة العصاة وقهرهم ، وإثابة أهل الطاعة ، والعفو عنهم . والمعاقب المثيب حقّه أن يخشى . وبهذا انتهت المجموعة الأولى من هذا المقطع . وقد بيّنت أنّ بداية السير إلى اللّه الخشية ، وإقامة الصلاة . ودلّت على الطريق إلى ذلك ، وتكلّمت عن مثيرات الخشية للّه من معرفة غنى اللّه ، والافتقار إليه ، إلى معرفة قدرته عزّ وجل على الإفناء والإنشاء ، إلى معرفة عقوبته يوم القيامة لمن خالف ، إلى معرفة انتقامه ممن يكذّب الرسل ، إلى معرفة مظاهر قدرته التي تدلّ على عظمته . ولقد قال صاحب الظلال في الآيتين الأخيرتين ما يلي : ( إنها لفتة كونية عجيبة من اللفتات الدالة على مصدر هذا الكتاب . لفتة تطوف في الأرض كلها ، نتبع فيها الألوان والأصباغ في كل عوالمها . في الثمرات . وفي الجبال . وفي الناس . وفي الدواب والأنعام . لفتة تجمع في كلمات قلائل ، بين الأحياء وغير الأحياء في هذه الأرض جميعا ، وتدع القلب مأخوذا بذلك المعرض الإلهي الجميل الرائع