والسنن الباقية . هذه التي لا تنتهي بانتهاء الحادث ، ولا تنقطع بذهاب الأشخاص ، ولا تنقضي بانقضاء الملابسات ، ومن ثمّ تبقى قاعدة ومثلا لكل جيل وكل قبيلة .
ويحفل بربط المواقف والحوادث بقدر اللّه المسيطر على الأحداث والأشخاص ، ويظهر فيها يد اللّه القادرة وتدبيره اللطيف ، ويقف عند كل مرحلة في المعركة للتوجيه والتعقيب والربط بالأصل الكبير .
ومع أنه كان يقصّ القصة على الذين عاشوها ، وشهدوا أحداثها ، فإنه كان يزيدهم بها خبرا ، ويكشف لهم من جوانبها ما لم يدركوه وهم أصحابها وأبطالها ! ويلقي الأضواء على سراديب النفوس ومنحنيات القلوب ومخبآت الضمائر ؛ ويكشف للنور الأسرار والنوايا والخوالج المستكنة في أعماق الصدور .
ذلك إلى جمال التصوير ، وقوّته ، وحرارته ، مع . . . التصوير . . . للجبن والخوف والنفاق والتواء الطباع ! ومع الجلال الرائع والتصوير الموحي للإيمان والشجاعة والصبر والثقة في نفوس المؤمنين .
إن النّص القرآني معدّ للعمل - لا في وسط أولئك الذين عاصروا الحادث وشاهدوه فحسب . ولكن كذلك للعمل في كل وسط بعد ذلك ، وفي كل تاريخ . معدّ للعمل في النفس البشرية إطلاقا كلما واجهت مثل ذلك الحادث أو شبهه في الآماد الطويلة ، والبيئات المنوعة . بنفس القوّة التي عمل بها في الجماعة الأولى .
ولا يفهم النصوص القرآنية حق الفهم إلا من يواجه مثل الظروف التي واجهتها أول مرة . هنا تتفتّح النصوص عن رصيدها المذخور ، وتتفتّح القلوب لإدراك مضامينها الكاملة . وهنا تتحوّل تلك النصوص من كلمات وسطور إلى قوى وطاقات . وتنتفض الأحداث والوقائع المصورة فيها . تنتفض خلائق حيّة ، موحية ، دافعة ، تعمل في واقع الحياة ، وتدفع بها إلى حركة حقيقية ، في عالم الواقع وعالم الضمير .
إن القرآن ليس كتابا للتلاوة ولا للثقافة . . . وكفى . . . إنما هو رصيد من الحيوية الدافعة ؛ وإيحاء متجدد في المواقف والحوادث ! ونصوصه مهيأة للعمل في كل لحظة ، متى وجد القلب الذي يتعاطف معه ويتجاوب ، ووجد الظرف الذي يطلق الطاقة المكنونة في تلك النصوص ذات السر العجيب !
وإن الإنسان ليقرأ النص القرآني مئات المرات ؛ ثم يقف الموقف ، أو يواجه
الأساس في التفسير — صفحة 4418
مساهمون: سعيد حوى
ص٤٤١٨