وأبعده ، فلا تتبعه فتصير مثله
يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ
أي على شركك وعصيانك لما أمرك
فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا
أي قرينا في النار ، تليه ويليك يعني : فلا يكون لك يومئذ مولى ولا ناصر ولا مغيث إلا إبليس ، وليس إليه ولا إلى غيره من الأمر شئ ، بل اتباعك له موجب لإحاطة العذاب بك ، أعلمه بذلك أن دعوته له ونصحه من كمال شفقته عليه ورحمته به . قال النسفي : فانظر في نصيحته كيف راعى المجاملة والرفق والخلق الحسن . . . . فطلب منه أولا العلة في خطئه ، طلب منبه على تماديه ، موقظ لإفراطه وتناهيه ، لأن من يعبد أشرف الخلق منزلة وهم الأنبياء ، كان محكوما عليه بالغي المبين ، فكيف بمن يعبد حجرا أو شجرا ، لا يسمع ذكر عابده ولا يرى هيئات عبادته ، ولا يدفع عنه بلاء ولا يقضي له حاجة ، ثم ثنى بدعوته إلى الحق ، مترفّقا متلطّفا ، فلم يسم أباه بالجهل المفرط ، ولا نفسه بالعلم الفائق ، ولكنه قال إن شيئا من العلم ليس معك ، وذلك علم الدلالة على الطريق السوي . فهب أني وإياك في مسير ، وعندي معرفة بالهداية دونك ، فاتبعني أنجك من أن تضل وتتيه ، ثم ثلّث بنهيه عما كان عليه ، بأن الشيطان الذي عصى الرحمن - الذي جميع النعم منه - أوقعك في عبادة الصنم ، وزينها لك ، فأنت عابده في الحقيقة ، ثم ربّع بتخويفه بسوء العاقبة ، وما يجره ما هو فيه من التبعة والوبال ، مع مراعاة الأدب ؛ حيث لم يصرّح بأن العقاب لاحق به ، وأن العذاب لاصق به ، بل قال أخاف أن يمسك عذاب ، بالتنكير المشعر بالتقليل ، كأنه قال إني أخاف أن يصيبك نفثات من عذاب الرحمن ، وجعل ولاية الشيطان ودخوله في جملة أشياعه وأوليائه أكبر من العذاب ، كما أن رضوان اللّه أكبر من الثواب في نفسه ، وصدر كل نصيحة بقوله : يا أبت ، توسلا إليه واستعطافا وإشعارا بوجوب احترام الأب وإن كان كافرا ) .
كلمة في السياق :
نلاحظ أن عيسى عليه السلام قال :
وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ
وأن إبراهيم عليه السلام قال :
يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا
وما دعاه إليه هو اتباعه في عبادة اللّه وترك عبادة غير اللّه ، فدل ذلك على أن طريق الأنبياء واحد وهو عبادة اللّه وحده ، وأنه هو الصراط المستقيم ، فالانحراف عن هذا الصراط ، انحراف عن اتباع إبراهيم وعيسى وبقية الأنبياء عليهم السلام .