تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 2986

مساهمون:

ص٢٩٨٦
صاحب الظلال : ( ومشهد الطير مسخّرات في جو السماء مشهد مكرور ، قد ذهبت الألفة بما فيه من عجب ، وما يتلفت القلب البشري عليه إلا حين يستيقظ ، ويلحظ بعين الشاعر الموهوب . وإن تحليقة طائر في السماء لتستجيش الحس الشاعر إلى القصيدة حين يلمسه . فينتفض للمشهد القديم الجديد . .
ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ
بنواميسه التي أودعها فطرة الطير ، وفطرة الكون من حولها ، وجعل الطير قادرا على الطيران ، وجعل الجو من حولها مناسبا لهذا الطيران . وأمسك بها الطير لا تسقط وهي في جو السماء :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ . .
فالقلب المؤمن هو القلب الشاعر ببدائع الخلق والتكوين ، المدرك لما فيها من روعة باهرة تهز المشاعر وتستجيش الضمائر . وهو يعبر عن إحساسه بروعة الخلق ، بالإيمان والعبادة والتسبيح ، والموهوبون من المؤمنين هبة التعبير ، قادرون على إبداع ألوان من روائع القول في بدائع الخلق والتكوين ، لا يبلغ إليها شاعر لم تمس قلبه شرارة الإيمان المشرق الوضيء » .

3 - [ كلام صاحب الظلال عند الآية وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً

] وبمناسبة قوله تعالى :
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً
قال صاحب الظلال : ( والسكن والطمأنينة في البيوت نعمة لا يقدرها حق قدرها إلا المشرّدون الذين لا بيوت لهم ولا سكن ولا طمأنينة . وذكرها في السياق يجئ بعد الحديث عن الغيب ، وظل السكن ليس غريبا عن ظل الغيب ، فكلاهما فيه خفاء وستر . والتذكير بالسكن يمس المشاعر الغافلة عن قيمة هذه النعمة . ونستطرد هنا إلى شئ عن نظرة الإسلام إلى البيت ، بمناسبة هذا التعبير الموحي :
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً . .
فهكذا يريد الإسلام البيت مكانا للسكينة النفسية والاطمئنان الشعوري ، هكذا يريده ، مريحا تطمئن إليه النفس وتسكن وتأمن سواء بكفايته المادية للسكنى والراحة ، أو باطمئنان من فيه بعضهم لبعض ، وبسكن من فيه كل إلى الآخر : فليس البيت مكانا للنزاع والشقاق والخصام . إنما هو مبيت وسكن وأمن واطمئنان وسلام . ومن ثم يضمن الإسلام للبيت حرمته ، ليضمن له أمنه وسلامه واطمئنانه . فلا يدخله داخل إلا بعد الاستئذان ، ولا يقتحمه أحد - بغير حق - باسم السلطان ، ولا يتطلع أحد على من فيه لسبب من الأسباب ، ولا يتجسس أحد على أهله في غفلة منهم