تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 2456

مساهمون:

ص٢٤٥٦
مكابرتهم أن ينطقوا بكلمة الحق هذه ؛ فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن ينوب عنهم في الجواب ، وإلا فالمفروض أن يجيبوا هم بالإيجاب ؛ فهم يقرون أن الله بدأ الخلق ، ومن ثم فمن بدأ الخلق ينبغي أن يقر له بأنه قادر على إعادته ، ومن كان كذلك فينبغي أن يسلم له ويخضع
فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ
أي فكيف تصرفون عن طريق الرشد إلى الباطل ، وبعد أن أقام الحجة على أن اليوم الآخر كائن ، فإنه في الآية اللاحقة يقيم الحجة على هدايته ووحيه وقرآنه وهو الموضوع الرئيسي في السياق
قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ
أي يرشد إليه ؟ الجواب لا
قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ
أولا : بما ركب في المكلفين من العقول وأعطاهم من التمكين للنظر في الأدلة التي نصبها لهم ، وثانيا بإرسال الرسل وإنزال الشرائع وثالثا : بما يوفق ويلهم لاتباع الشرائع والرسل
أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى
أي أمن لا يهتدي إلا أن يهدى ؟ فمعنى النص كله : من الجدير بالاتباع الهادي أم العاجز عن الهداية لغيره ، المحتاج إلى الهداية بنفسه ؟ فإذا كان الجدير بالاتباع هو الهادي فمن أكثر هداية من الله الذي ليس من هاد غيره ، فإذا هو الهادي وحده فكيف تتعجبون أن ينزل الله وحيا ، ويرسل رسولا ليهديكم ، أم كيف تتركون هدايته
فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ
أي فما بالكم تصدرون مثل هذه الأحكام الفاسدة إذ تسوون بين الله وخلقه فتقيسون الله على أصنامكم ، فكما أن أصنامكم لا تهدي تظنون أن الله لا يهدي ، فتستغربون أن يرسل رسولا ، وينزل وحيا يهدي به الله من شاء . هلا رجعتم إلى صوابكم ، فاهتديتم بنور الله ، وتركتم ما أنتم فيه من أوهام وضلالات . ومن ثم قال :
وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ
أي كلهم
إِلَّا ظَنًّا
أي توهما وتخيلا ، فلا دليل عندهم ولا برهان
إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً
فيما المطلوب فيه العلم . أي لا يغني من العلم أي إغناء ، فلا قيمة له في هذا المقام
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ
من اتباع الظن وترك الحق ، وهو تهديد ووعيد شديد على اتباعهم الظن وتركهم هداية الله العظيمة المتمثلة في القرآن . وفي هذه الآية قال الألوسي : ( أي ما يتبع أكثرهم في معتقداتهم ومحاوراتهم إلا ظنا واهيا مستندا إلى خيالات فارغة وأقيسة باطلة ، كقياس الغائب على الشاهد ، وقياس الخالق على المخلوق ، بأدنى مشاركة موهومة ، ولا يلتفتون إلى فرد من أفراد العلم ، فضلا عن أن يسلكوا مسالك الأدلة الصحيحة الهادية إلى الحق فيفهموا ويقفوا على صحتها وبطلان ما يخالفها ، فالمراد بالاتباع : مطلق الانقياد الشامل لما يقارن القبول والانقياد وما لا يقارنه ، وبالقصر ما أشير إليه من أن لا يكون لهم في أثنائه اتباع لفرد من أفراد العلم والتفات إليه .
الأساس في التفسير — صفحة 2456 | سعيد حوى