تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 2661

مساهمون:

ص٢٦٦١
ويوسف - عليه السلام - يعلل القول بأن الحكم لله وحده فيقول :
أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
. ولا نفهم هذا التعليل كما كان يفهمه الرجل العربي إلا حين ندرك معنى « العبادة » التي يختص بها الله وحده . إن معنى عبد في اللغة : دان ، وخضع ، وذل . . . فعند ما نزل هذا النص أول مرة كان المقصود به هو الدينونة لله وحده ، والخضوع له وحده ، واتباع أمره وحده ، سواء تعلق هذا الأمر بشعيرة تعبدية ، أو تعلق بتوجيه أخلاقي ، أو تعلق بشريعة قانونية . فالدينونة لله وحده في هذا كله هي مدلول العبادة التي خص الله - سبحانه - بها نفسه ، ولم يجعلها لأحد من خلقه . وحين نفهم معنى العبادة على هذا النحو نفهم لما ذا جعل يوسف - عليه السلام - اختصاص الله بالعبادة تعليلا لاختصاصه بالحكم . فالعبادة - أي الدينونة - لا تقوم إذا كان الحكم لغيره . وسواء في هذا حكمه القدري القهري في حياة الناس وفي نظام الوجود ، وحكمه الشرعي الإرادي في حياة الناس خاصة . فكله حكم تتحقق به الدينونة . ومرة أخرى نجد أن منازعة الله الحكم تخرج المنازع من دين الله - حكما معلوما من الدين بالضرورة - لأنها تخرجه من عبادة الله وحده . . وهذا هو الشرك الذي يخرج أصحابه من دين الله قطعا . وكذلك الذين يقرون المنازع على ادعائه ، ويدينون له بالطاعة وقلوبهم غير منكرة لاغتصابه سلطان الله وخصائصه . . فكلهم سواء في ميزان الله . ويقرر يوسف - عليه السلام - أن اختصاص الله - سبحانه - بالحكم تحقيقا لاختصاصه بالعبادة . هو وحده الدين القيم :
ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ
. وهو تعبير يفيد القصر . فلا دين قيم سوى هذا الدين ، الذي يتحقق فيه اختصاص الله بالحكم ، تحقيقا لاختصاصه بالعبادة .
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ .
وكونهم « لا يعلمون » لا يجعلهم على دين الله القيم . فالذي لا يعلم شيئا لا يملك الاعتقاد فيه ولا تحقيقه . . فإذا وجد ناس لا يعلمون حقيقة الدين ، لم يعد من الممكن عقلا وواقعا وصفهم بأنهم على هذا الدين . ولم يقم جهلهم عذرا لهم يسبغ عليهم صفة الإسلام . ذلك أن الجهل مانع للصفة ابتداء . فاعتقاد شئ فرع عن العلم به . . وهذا منطق العقل والواقع . . بل منطق البداهة الواضح ) ولننتقل إلى المشهد الخامس في القصة .
الأساس في التفسير — صفحة 2661 | سعيد حوى