تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
إحداهما تناقش الراغبين عنه ؛ ولذلك تبدأ بقوله تعالى :
وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ .
والثانية : تناقش الداعين إلى غيره ؛ ولذلك فإنها تبدأ بقوله تعالى :
وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً . .
فنحن الآن إذن في الفقرة التي تناقش الراغبين عن الإسلام :
وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ
هذا استفهام فيه معنى الإنكار والاستبعاد أن يكون في العقلاء من يرغب عن الحق الواضح ، الذي هو ملة إبراهيم ، والملة : هي السنة والطريقة وقوله
إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ
أي جهل نفسه فظلمها بسفهه ، وسوء تدبيره ؛ بتركه الحق إلى الضلال ، حيث خالف طريق من اصطفاه الله في الدنيا للهداية والرشاد من حداثة سنة ، إلى أن اتخذه الله خليلا ، وهو في الآخرة من الصالحين السعداء ، فمن ترك طريقه ومسلكه وملته ، واتبع طرق الضلالة والغي ، فأي سفه أعظم من سفهه ؛ أم أي ظلم أكبر من ظلمه ؛ كما قال تعالى ( في سورة لقمان ) :
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ .
وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ
هذا بيان لخطأ رأي من يرغب عن ملة إبراهيم ، لأن من جمع كرامة الدارين لم يكن أحد أولى بالرغبة في طريقته منه
إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ .
هذا بيان لسبب الاصطفاء أنه أمر بالإسلام والاستسلام لله فأسلم واستسلم ، والإسلام فيه معنى التسليم والإذعان والطاعة والإخلاص لله .

فوائد :

1 - اصطفاء إبراهيم في الدنيا أي : اختياره بالرسالة واجتباؤه من سائر المخلوقات ، وكونه في الآخرة من الصالحين شهادة له بفعل الصلاح ، والثبات على الاستقامة والخير والصلاح ، فاجمع له الكمالات الدنيوية والأخروية . فالسفيه وحده أي : الجاهل الخفيف العقل هو الذي يرغب عن طريق فيه خير الدنيا والآخرة . 2 - ذهب أبو العالية وقتادة : « أن هذه الآية نزلت في اليهود ؛ أحدثوا طريقا ليست من عند الله ، وخالفوا ملة إبراهيم فيما أحدثوه » والقاعدة أن خصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ ، فما من إنسان يرغب عن ملة إبراهيم إلا جاهل لنفسه ، إذ الوضع الصحيح للنفس أن تكون مستسلمة لله علما وحالا وسلوكا ، وكان إبراهيم إماما في ذلك ، فالرغبة عن هذه الطريقة لا تكون إلا أثرا عن الجهل والسفه والطيش .
الأساس في التفسير — صفحة 276 | سعيد حوى