تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
« والسياق إنما هو في العرب ولهذا قال بعده
رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ . . .
قال النسفي : « وإنما خصا بالدعاء ذريتهما لأنهم أولى بالشفقة » أقول : والذين لا يعطون العواطف البشرية العميقة في النفس البشرية حقها مخطئون ، فالحرج أن تتجاوز العواطف البشرية حدودها المشروعة ، أو تؤثر على النكوص عن أمر أو الوقوع في نهي
وَأَرِنا مَناسِكَنا
أي وبصرنا متعبداتنا في الحج ، أو عرفنا إياها وواحد المناسك : منسك بفتح السين وكسرها وهو المتعبد ولهذا قيل للعابد ناسك أقول : وقد عرف الله إبراهيم على المناسك ، وإن حجنا الحالي كله له صلة بإبراهيم وآله عليهم السلام كما سنرى ذلك .
وَتُبْ عَلَيْنا
ما فرط منا من التقصير . قالا ذلك هضما لنفسيهما وإرشادا لذريتهما وللخلق
إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ
لمن تاب
الرَّحِيمُ
بعباده
رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ
أي من الذرية أي وأرسل فيهم رسولا لهم من أنفسهم ، وقد وافقت هذه الدعوة المستجابة قدر الله السابق في تعيين محمد صلى الله عليه وسلم رسولا في الأميين إليهم ، وإلى سائر الأعجمين من الإنس والجن ، فكانت دعوة مستجابة
يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ
أي يقرأ عليهم ويبلغهم ما توحي إليه من دلائل وحدانيتك ، وصدق أنبيائك ورسلك
وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ ،
قال الألوسي « بأن يفهمهم ألفاظه ويبين لهم كيفية أدائه ويوقفهم على حقائقه وأسراره ، والظاهر أن مقصودهما من هذه الدعوة أن يكون - الرسول - صاحب كتاب يخرجهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم ، وقد أجاب سبحانه هذه الدعوة بالقرآن » أقول : كانت هذه الدعوة قبل إنزال التوراة على موسى ( عليه السلام ) بسنين طويلة ، وهذا يقتضي إما أنهما دعوا بذلك بإخبار من الله تعالى أنه سينزل كتبا ، أو بمعرفة عن الكتب ، وعلى القول الثاني فإن احتمال أن يكون هناك كتب منزلة من الله قبل التوراة والزبور والإنجيل يبقى قائما ، وإن كثيرا من الأمم كأهل الهند وفارس تدعي وجود كتب مقدسة عندها ، فهل لهذه الكتب أصل ، ثم طرأ عليه ما طرأ ؟ موضوع قابل للدراسة ، وإن دراسة مستوعبة مقارنة شاملة يمكن أن توصلنا إلى بعض الحقائق مع الاحتراس الكثير
وَالْحِكْمَةَ
أي : ويعلمهم الحكمة وهي : وضع الأشياء في مواضعها : سواء كانت دنيوية أو أخروية ، وإذ كانت الحكمة هي ما سوى الكتاب من تعليم الرسل ، فإن كل ما علمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمى حكمة ، ومن ثم فسر بعضهم الحكمة بالسنة وفسر ابن إسحاق دعوة إبراهيم وإسماعيل بتعليم الكتاب والحكمة بقوله : « يعلمهم الخير فيعقلوه ، والشر فيتقوه ، ويخبرهم برضى الله عنهم إذا أطاعوه ، ليستكثروا من طاعته ، ويجتنبوا ما يسخطه من معصيته » أقول فكأنه فسر