تخطي إلى المحتوى الرئيسي

امثال القرآن — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧
يرى بعض آخر من المفسرين أنَّ الرجلين كانا صديقين ولا نسبة بينهما « 1 » . مضمون الآيات يفيد أنَّ النظرية الثانية هي الصحيحة ، أي أن المراد من رجلين هو صديقان لا أخوان . المطلب الآخر الذي يمكن استفادته من الآيات هو أن الآيات ليس بياناً محضاً لمثلٍ كما ظن البعض ذلك ، بل هي بيان لقصة حقيقية حصلت في الأزمان الماضية بيَّنها اللَّه في صيغة مثل . « جَعَلْنا لأحَدِهمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنهُما زَرْعَاً كِلْتا الجَنَّتَينِ آتَتْ اكُلَهَا وَلَمْ تَظلِمْ مِنْهُ شَيئاً وَفجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ » . المستفاد من عبارة « وَفَجَّرْنَا خِلالَهُما نَهَراً » أن البُستان كان يُسقى من الخارج ، ثم اكتفى ذاتياً من حيث السقي بعد ما فُجرِّ النهر في داخل ارضه . « فَقَالَ لِصَاحِبِه وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَراً » . عندما ينال ضيّقو الصدر والمغرورون شيئاً من مال الدنيا ويبلغون مستوى فيها يبدون وكأنَّ الزمان والمكان يدين لهم ، فبعضهم عندما يبلغ شأناً في المجتمع ينسى صديقه الذي كان إلى جنبه مدَّة سنوات ، وعندما يلتقيه يتصرَّف وكأنَّه لم يلتقِ به من قبل . إن صاحب البستان الثري الذي تحدَّثت عنه الآية كان من هذا القبيل ، فقد اغترَّ بنفسه عندما شاهد بستانه والنهر الذي يجري فيه وما انتج من ثمار ، فكان يتفاخر بما حصل وينظر إلى صديقه القديم والفقير نظرة تحقير ويقول : أنا أكثر منك مالًا وأعزُّ نفراً من العمال والمزارعين والحشم والخدم . « وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لَنْفسِهِ قَالَ مَا أظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَداً » أي أنه ما كان يظن أن بستانه سيفنى يوماً ما بل سيبقى دون أن يزول بآفة أو ما شابه . عبارة « وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ » تشير إلى أن كل ظالم يبدأ بظلم نفسه في البداية ثم ظلم الآخرين ، كما هو حال المحسنين حيث يفيدون أنفسهم بأعمالهم الصالحة ثمّ يفيد الآخرون بها . على أي حال ، نسي هذا المغرور ذكر اللَّه الذي خلق له هذه الجنَّة والذي يمكنه أن يفنيها في كل لحظة بحيث لا يبقى لها أثر مذكور .
هامش
( 1 ) أشار الطبرسي قدس سره في مجمع البيان 6 : 468 ، إلى كلا النظريتين .
امثال القرآن — صفحة 297 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي