وقال الضحاك والسدي والكلبي : نزلت في الزناة الذين كانوا يمشون في طرق المدينة ، يبتغون النساء إذا برزن بالليل لقضاء حوائجهن ، فيرون المرأة فيدنون منها فيغمزونها ، فإن سكتت اتبعوها ، وإن زجرتهم انتهوا عنها ، ولم يكونوا يطلبون إلا الإماء ، ولكن لم يكن يومئذ تعرف الحرة من الأمة ، إنما يخرجن في درع وخمار « 1 » ، فشكون ذلك إلى أزواجهن ، فذكروا ذلك لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية « 2 » .
الدليل على صحة هذا قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ
[ سورة الأحزاب ، الآية : 59 ] .
وعن حصين ، عن أبي مالك قال : كانت نساء المؤمنين يخرجن بالليل إلى حاجاتهن ، وكان المنافقون يتعرضون لهن ويؤذونهن ، فنزلت هذه الآية .
وقال السدي : كانت المدينة ضيقة المنازل ، وكان النساء إذا كان الليل خرجن فقضين الحاجة ، وكان فسّاق من فسّاق المدينة يخرجون ، فإذا رأوا المرأة عليها قناع قالوا : هذه حرة ، فتركوها ، وإذا رأوا المرأة بغير قناع قالوا : هذه أمة ، فكانوا يراودونها ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية « 3 » .
الآية : 59 - قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً
.
قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ
الآية . أخرج البخاري عن عائشة قالت : خرجت سودة بعد ما ضرب الحجاب لحاجتها وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها ، فرآها عمر فقال : يا سودة ، أما واللّه ما تخفين علينا فانظري كيف تخرجين ، قالت : فانكفأت راجعة ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في بيتي وإنه ليتمشى وفي يده عرق فدخلت فقالت : يا رسول اللّه ، إني خرجت لبعض حاجتي ، فقال لي عمر كذا وكذا ،
هامش
( 1 ) فيغمزونها : من الغمز ، وهو العصر والجسّ بالأصابع . الإماء : النساء المملوكات ، جمع أمة .
درع : قميص يستر جميع البدن . خمار : هو غطاء الرأس .
( 2 ) زاد المسير ، ج 6 / 421 .
( 3 ) النيسابوري 303 ، والدر المنثور ، ج 5 / 222 .