تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
ان التعبير القرآني دقيق في بنائه اللفظي ليدل دلالة دقيقة على مدلوله المعنوي ، وفي العبارة هنا قصر بلفظ ( انما ) وليس هناك مبرر لتأويله - وفيه هذا الجزم الدقيق - ليقال أن المقصود هو ( الايمان الكامل ) فلو شاء اللّه سبحانه ان يقول هذا لقاله . انما هو تعبير محدد دقيق الدلالة ، ان هؤلاء الذين هذه صفاتهم وأعمالهم ومشاعرهم هم المؤمنون ، فغيرهم ممن ليس له هذه الصفات بجملتها ليسوا بالمؤمنين ، والتوكيد شاهد
( أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا )
يقرر هذه الحقيقة ، فاما هكذا ايمان واما فلا ايمان أصلا .
( وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ )
( أي لا يرجون سواه ولا يقصدون الا إياه ولا يلوذون الا به ) ( ولا يطلبون الحوائج الا منه . ولا رادته واختياره هم مستسلمون ) . ( والتوكل على اللّه والاستسلام إلى ارادته هو جماع الايمان الصحيح ، والمعرفة الحقة ) . وهذا هو اخلاص الاعتقاد بوحدانية اللّه ، واخلاص العبادة له دون سواه ، فما يمكن ان يجتمع في قلب واحد : توحيد اللّه ، والتوكل على سواه . لأنه اليه يرجع الامر كله . ولقد ظلت الجاهلية ( العلمية ) الحديثة تلج فيما تسميه ( حتمية القوانين الطبيعية ) ذلك لتنفي ( قدر اللّه ) وتنفي ( غيب اللّه ) حتى وقفت في النهاية عن طريق وسائلها وتجاربها ذاتها ، امام غيب اللّه وقدر اللّه . وقفة العاجز عن التنبؤ الحتمي وبقي ( الغيب ) سرا مختوما وبقي قدر اللّه هو الحقيقة الوحيدة المستيقنة . ولجأت إلى نظرية ( الاحتمالات ) في عالم المادة فكل ما كان لديها حتميا صار احتماليا ، وبقي قول اللّه عزّ وجل
( لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً )
وهو القانون الحتمي الوحيد الذي يتحدث بصدق عن طلاقة المشيئة الإلهية ، من وراء القوانين