تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن — صفحة 348

مساهمون:

ص٣٤٨
الجليل ، أي الرجوع إليه سبحانه بعين التذلّل ، فحقّ العبادة هو العبادة للّه حقا ومن البيّن أن التلقّيات والأفهام تختلف باختلاف الأحوال الوجدانية كالجوع والشبع والعطش والريّ ، وشهوة الجماع وشهوة الانتقام ، فالشجاع الغضبان ربّما لم ينفعه جلّ المواعظ في العفو والصفح ، كما أنّ الجبان لا ينفع في تغييره عكسها موعظة ، فالمؤمن المتعارف وهو من أهل الدنيا مأنوس الذهن بالعادات والرسوم والحسن والقبح ، يتلقّى الخطابات الإلهيّة بوجه ، والمؤمن المحبّ الذي يتوق حبّا قد عزفت نفسه الدنيا ولذائذها ، وحسنها وقبحها ، وبلغ به حاله أنّه لا يريد دنيا ولا آخرة إلّا ربّه - جلت عظمته - ولا همّ له إلّا أن ينسي كل شيء ، وعلى الخصوص نفسه التي هي أعدى عدّوه في سبيل السير إلى ربه ، على ما هو شأن المحب المتيّم يتلقّاه بوجه آخر ، فهو دائما مراقب مترصّد لإمحاء الوسائط وهتك الأستار . فصار كلّما سمعه من الخطابات والتلقينات يتلقّاه على غير ما يتلقّى الفهم العادي ، فإذا سمع أنّ اللّه سبحانه يقول :
أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً
« 1 » ، وأمثالها ، تحقّق ظنّه في صدق ما يريد ، ولم يأل جهدا في الإخلاص وإصلاح العمل ، وإذا سمع أنّه سبحانه يقول :
مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ
« 2 » ، تلقّاه وعدا للّقاء وغلت نفسه وتاقت واشتاقت لذلك وحبّ لقاء اللّه مفتاح باب الولاية . قال سبحانه :
إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
« 3 » .
هامش
( 1 ) . الكهف ( 18 ) : 110 . ( 2 ) . العنكبوت ( 29 ) : 5 . ( 3 ) . الجمعة ( 62 ) : 6 .