تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١
ويميل إليه الطبع . ونظير ذلك مأخوذ معتبر في ظرف الاجتماع وعالم الاعتبار ، فالشجاعة والعفّة والعلم والعدالة كلّ ذلك حسن ، ومقابلاتها قبيحة سيّئة . واللباس الكذائي والزيّ الكذائي حسن باعتبار المناسبة لغرض المنطقة أو العادة أو الجماعة ، وقبيحة سيّئة متروكة باعتبار المخالفة لذلك . وإنّما الفرق بين الحقيقي والاعتباري أنّ الحقائق لا تختلف ولا تتخلّف بخلاف الاعتبارات ؛ لاستنادها إلى أمور من الخلق والعادة هي عرضة للتغيّر والاختلاف ، فالزيّ الواحد بعينه يمكن أن يكون حسنا عند قوم أو في زمان أو في مكان أو في حال ، قبيحا سيّئا عند آخرين أو في زمان آخر أو مكان آخر أو حال آخر . والحسن والقبح إذا اخذا حقيقيّين اتّحدا مع الخير والشرّ مصداقا وتقاربا مفهوما ، هذا مفهوما . وأمّا مصداقا فقد قال تعالى :
اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
« 1 » ، وقال :
الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ
« 2 » ، وبان بذلك أنّ الحسن يساوق الوجود ، فكلّ موجود حسن من حيث إنّه موجود ، وكلّ حسن موجود من حيث إنّه حسن ، وكذلك مقابل الحسن مع العدم يتلازمان صدقا . ومن ذلك يظهر أنّ المعدوم والسيّء لا يصدر منه تعالى ، فهذه المصائب والبليّات وما يشبهها والمعاصي والسيّئات من الأعمال غير صادرة منه تعالى ، لكن من الجهة التي فيها من النقص والفساد والقبح . وبالجملة ، الجهات العدميّة دون الجهات الوجوديّة التي فيها ، فهي إذا نسبت إلى مبدأ ومنشأ ينبغي أن تنسب إلى غيره تعالى ، وذلك بسبب الاستقلال الظاهري والإنّية الصوريّة التي ملّكها اللّه سبحانه إيّاها ، والتزاحم الذي أوجده بينها ، قال سبحانه :
ما أَصابَ
هامش
( 1 ) . الزمر ( 39 ) : 62 . ( 2 ) . السجدة ( 32 ) : 7 .