تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
كما في
لِنُبَيِّنَ
اعتناء ببلوغ الأشد ، حيث يكون عنده التكليف ، إذ هو المقصود من الإقرار في الرحم ، والمعنى : نمد أجلكم لتصلوا بهذا الانتقال إلى كمالكم في القوة والعقل . المرتبة السابعة :
وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً
[ الحج : 5 ] ، أي ومنكم من يتوفّى عند بلوغ الأشد أو قبله ، ومنكم من يرد بالشيخوخة إلى أخس العمر ، وهو سن الهرم ، فتنقص جميع قواه ، ويعود كهيئته الأولى في أوان الطفولة من سخافة العقل وقلة الفهم ، فينسى ما علمه وينكر من عرفه ، فما أعظم هذه الدلالات على المراد ، وما أوضح هذه الحالات على المقصود ،
فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
[ الحج : 46 ] . ولما تم هذا الدليل بأحكم المقدمات وأصح النتائج ، وكان أول الإيجاد فيه غير مشاهد ، وهو قوله تعالى :
خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ
[ الحج : 5 ] ، ذكر سبحانه دليلا آخر على البعث مشاهدا في كل أحواله وملابساته ، وهو قوله جل شأنه :
وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً
، أي ساكنة يابسة ،
فَإِذا أَنْزَلْنا
بما لنا من القدرة ،
عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ
تحركت وتأهلت لإخراج النبات
وَرَبَتْ
أي ارتفعت ، وذلك أول ما يظهر منها للعين ، ونمت بما يخرج منها من النبات الناشئ من التراب والماء
وَأَنْبَتَتْ
فيه مجاز ؛ لأن اللّه تعالى هو المنبت ، وأضيف إلى الأرض توسعا ،
مِنْ كُلِّ زَوْجٍ
صنف
بَهِيجٍ
[ الحج : 5 ] حسن المنظر ، نضير باختلاف الألوان ، والطعوم ، والروائح ، والأشكال ، والمنافع ، والمقادير . الموضع الثالث من سورة الروم : قال اللّه تعالى :
أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى
[ الروم : 8 ] . قوله تعالى :
فِي أَنْفُسِهِمْ
، إما أن يكون ظرفا للتفكير ، والمعنى : أو لم يشغلوا قلوبهم الفارغة عن الفكر بالفكرة الصالحة ، والتفكير وإن كان محله القلب ، إلا أنه زيد قوله :
فِي أَنْفُسِهِمْ
لزيادة تصوير حال المتفكرين ، كما يقال : أبصره بعينه وأضمره في نفسه ، وعلى هذا يكون المتفكر فيه هو قوله :
ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
على ما هما عليه من النظام المحكم ، والقانون المتقن ، فيعلموا أن اللّه تعالى لم يخلقهما