تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 222

مساهمون:

ص٢٢٢
وقت اختلت فيه الموازين ، وتفشت فيه عوامل الفساد في كل شئ ، في معتقداته ، في اقتصادياته ، في طبقاته ، في نظمه وعاداته . وإذا رجعنا إلى التاريخ السحيق قبل بعثة الرسول ، عليه الصلاة والسلام ، وفي أيام بعثته ، وجدنا دولا كبرى تتمثل في فارس والروم ، ووجدنا أنظمة رأسمالية بشعة بكل طغيانها وتحكماتها ، واستغلالها لكل جهد وحق ، وإهدارها لكل قيمة من القيم النبيلة في سبيل تحقيق أهواء حكامها ، وشهوات أصحابها ، ونظرتهم الطبقية المهينة ، كما نجد في صفوف هذه المجتمعات أيضا طبقة العبيد الذين يكدون ويكدحون ، ويحرمون من أجورهم ، فلا حق لهم في مال ، ولا حق لهم في تملك ، وإنما إذلال لآدميتهم وكرامتهم ، واستغلال بشع لجهدهم وجهدهم ، وحرمان من التملك الذي هو سمة المخلوق البشرى الذي خلقه اللّه وميزه على بقية المخلوقات . وشبيه بتلك المجتمعات الكبرى المجتمعات العربية ، وما بها من أوضاع لا تختلف عن تلك الأوضاع السيئة المزرية ، ففيها الإقطاع بكل صوره وأشكاله ، الطبقات من سادة ، وأشراف ، وعبيد ، وألوان ، وقبائل ، وحضر ، وبادية ، أدت كل هذه الاختلافات إلى تباين شاسع يعيش فيه المجتمع العربي ، ويمزق صفوفه ، ويسرع إلى انهيار بنائه . لذلك ساءت فيه أوضاع القوم ، ولم يبق إلا ذلك البصيص من النور الذي يشع فيضعهم على الطريق ، ويأخذ بأيديهم على أول درجة من درجات الفهم الواعي لروح الدعوة المنتظرة ، دعوة السماء إلى الأرض ، دعوة الإسلام ، بدأ ذلك بتلك الدعوات السماوية التي أرادت أن يكون بناء تلك الأمة الجديدة بعيدا كل البعد عن روح التكليف والفرض والإلزام ، وهي أمور يأنف منها الإنسان ، أي إنسان ، فما بالك بالعربي الذي يجد حريته وتحقيق وجوده في الانطلاق في أرضه وسمائه ، دعوات إلى الحب والتآلف ، وهو الهدف الأول للدعوة الإسلامية ، أن توجد روح المحبة في النفوس ، وتؤلف بين القلوب برباط متين لا تنقضه الأيام . لذلك كانت الدعوة إلى البذل والعطاء ، والإنفاق في سبيل اللّه ، تتكرر في كثير من المواطن ، وتتفق في روحها وأهدافها ، وتثير في المؤمن دوافع الشفقة ، والإحساس بما يفرضه الواجب عليه حيال غيره في المجتمع والأمة ، وحيال الأفراد والجماعات ، السبل كثيرة ، وتبقى أن تلتقى معها النفوس الكثيرة أيضا في إنفاقها وبذلها ، وكل ما يعلى من