تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
تدفعه إلى المهالك . وكم جرّ الغرور على أناس من المهالك ، فأودى بهم إلى الجحيم ، ومثال ذلك واضح من واقع ما عرض القرآن من صور أولئك الذين استبد بهم الغرور فقتلهم ، من قصة قارون الذي دفعه الجهل والغرور إلى قوله :
إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي
[ القصص : 78 ] ، فكانت نتيجته
فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ
[ القصص : 81 ] طريق الانهيار الذي يبدو في الجهالة المهلكة بحقيقة الكون وخالقه ، وحقيقة الإنسان وقدراته ، وطبيعة النفس البشرية ، وما لها من حدود لا تتعداها في ملكوت اللّه . هذه هي الضوابط التي يجب على المؤمن بحق أن يتخذ منها سلاحا واقيا ضد نزوات الحياة ، وخداع الفكر ، ونسيان اللّه خالق هذه الحياة والجدير بالعبادة الحقة ، وإذا تخلى الإنسان عن هذه الضوابط ، وتسربت إليه النفس الأمارة بالسوء في المعتقد والفكر ، والعمل ، فإن هذا يؤدى به في النهاية إلى الهاوية ، ويخرج من هذه الحياة صفر اليدين خاسرا ، لا يملك ما يقدمه بين يدي ربه من صالح الأعمال ، وهذا المثل القرآني يوضح هذه الحقائق . 3 - قال اللّه تعالى :
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً
« 1 » [ الكهف : 45 ] . ذكرت آيات قبل هذا المثل توضح حقيقة النفس التي تنسى اللّه في وقت الرخاء والنعمة ، ولا تذكره جلت قدرته إلا في وقت الأزمات والشدائد ، حين يمسها الضرّ ، وتقع بها المصائب في وقت الرخاء ، وإسباغ النعم ، تستغرق في شهواتها ولذائذها ، ويتحكم فيها غرورها ، ونزوات الحس ، وتنسى خالقها الذي أنعم عليها بجليل النعم ، وحباها من فضله بالكثير من صحة ، وعقل ، وتكريم . صاحب الجنة نسي اللّه في نعمه الكثيرة ، ولم يعط حق اللّه في هذا المال لأصحابه من فقراء ومحتاجين يقاسمونه الحياة بما فيها ، فأصبحت هذه الجنة خاوية على عروشها ، كأن لم تغن بالأمس ، ولم يجد من أحد عونا في موقفه يزيح عنه ما نزل به من بلاء ، أو يخفف
هامش
( 1 ) مقتدرا : قادرا على الكمال ، ومن جملة الشيء : الإنشاء ، والإفناء .