تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
يضرب هذا المثل :
أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا
[ إبراهيم : 24 ] ؛ ليصوّر للناس سنته الجارية في الطيب والخبيث في هذه الحياة بالشجرة الطيبة ، والشجرة الخبيثة . فالكلمة الطيبة هي كلمة الحق ، وهي أساس الوجود ، ولا تستطيع قوى البغى والطغيان أن تقضى عليها ، أو هي كلمة التوحيد ، فهي كالشجرة الطيبة ، ثابتة ، مثمرة ، متعالية ، فبذورها تنبت في تلك التربة الخصبة ، وكذلك الكلمة الطيبة تثبت في النفوس الطيبة ، وفي ظل هذا
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ
[ إبراهيم : 27 ] ، والقول الثابت : بكلمات القرآن ، وبالعمل الصالح ، وبكلمات الإيمان ، يكون العون من اللّه ، والتثبت للذين آمنوا . وأما الكلمة الخبيثة ، فهي على النقيض من ذلك ، هي كلمة الشرك والباطل التي تعمل على إفساد الحياة ، وفي نشر بذور الشر في كل مكان ، وفي كل نفس ، وهي كالشجرة الخبيثة التي قد تتشابك أغصانها ، وتتعالى فروعها ، ولكنها لا تثمر إلا ثمرا مرا ، ولا تعطى فائدة ، وفي نفس الوقت لا تتحمل أية هزة ، فلا قرار لها ولا بقاء . وفي ظل هذه الكلمة الخبيثة
وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ
[ إبراهيم : 27 ] بسبب ظلمهم وشركهم ، واتباع الهوى ، وتمكن الخرافات والأباطيل من نفوسهم القلقلة المضطربة ، يفعل اللّه ما يشاء بإرادته المطلقة . مشاهد من قصص المؤمنين والمكذبين ، ومصير هؤلاء وهؤلاء ، وصور تتضح فيها النفس التي يزكيها صاحبها فيفلح ، والنفس التي يسوقها صاحبها إلى الهاوية من خلال ما رأينا في المثل من مقابلة وموازنة بين حالتين يلمسهما السامع والقارئ ، فينحاز إلى ما هو جدير به أن ينحاز إليه من عمل صالح ، وابتعاد عن الطالح من الأمر ، وقد يفهم من هذا التصوير أن المؤمن مثل الشجرة ، لا يزال يعطى من ثماره في كل وقت ، صيفا وشتاء ، ليلا ونهارا ، وكذلك المؤمن لا يزال يرفع له عمل آناء الليل وأطراف النهار ، وفي كل وقت وحين . والكلمة الخبيثة تمثل كفر الكافر ، لا أصل له ، ولا نبات ، ولا فرع ، ولا يصعد له عمل ، ولا يتقبل منه شئ . وفي هذا المجال يأتي دور العالم والجاهل في بناء هذه الحياة ، وما يؤثران به في مجريات الأمور ، فإذا زلّ العالم زلّ بزلته عالم . فقد يتعرض الغافل والجاهل لسقطات في الحياة تجر عليهما أوخم العواقب ، وقد
عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 212 | الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي