تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
نعم يصرون على موقف ، وهم يعلمون أنهم جاهلون بنتائجه ، ويصرون على الاتباع ولو كان يؤدى إلى الهلاك ، وبخاصة وقد حرم أولئك المتبعون من السابقين من نعمة العقل والاهتداء ، وإلا لكانوا في موقف آخر من الإيمان ، ومحو عار الجاهلية الذي لصق بهم ، واستدعى إرسال الرسل إليهم ، ودليل ذلك إصرارهم على معاداة النبي ومحاربته ، والوقوف ضد دعوة الإسلام ، حتى بهذا التدنى في المرتبة التي تصمهم بوصمة الحيوانية التي سلبت العقل والهداية ، وهذا ما عرضه المثل بعد ذلك :
يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً
[ البقرة : 171 ] . جو واحد ، تشابهت فيه الأشخاص والدواب ، وسلكت كلها في مسلك واحد ، لا تفكير ، ولا اهتداء ، وإنما اتباع مضلل ، وطريق إلى الهاوية ، نرى ذلك كله فيما يعرضه المثل من صورة أولئك المقلدين لغيرهم في خطواتهم الضالة ، والذين ألغوا عقولهم وتفكيرهم التي خلقها اللّه للاهتداء بها ، فهم يرون الحق ويعرضون عنه ، ويصرفون أنفسهم عن دلالته وآياته ، ويتبعون خطوات الشيطان ، ويقولون على اللّه بغير علم ، ولا دليل ولا برهان ، وهم على فساد من الأمر . صورهم اللّه في هذا المثل بتلك البهيمة السارحة التي لا تفقه ما يقال لها إذا صاح فيها راعيها ، بل هم أضل منها ، فهي ترى وتسمع وتصيح ، ولكنهم : صم ، بكم ، عمى ، مع وجود هذه الحواس ، ولكنهم معطلون لها ، ولا تؤدى وظيفتها التي خلقها اللّه من أجلها ، صم لا يسمعون الحق سماع تدبر وفهم ، بكم لا ينطقون به عن اعتقاد وعلم ، ولا يعقلون مبدأ ما هم فيه ، ولا غايته كما يطلب من الإنسان ، وإنما ينقادون لغيرهم كما هو سائر الحيوان . وهؤلاء الكفار هم المشركون الذين تكرر منهم القول :
بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا
[ البقرة : 170 ] . صورة تحذر من اتباع الشيطان ، وتعطيل الفكر عن المعرفة والهداية ، وتلقى أمر اللّه والشريعة من غير الجهة التي يتلقى منها أمر العقيدة والشريعة . 7 - قال اللّه تعالى :
مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
[ الجمعة : 5 ] . جاء هذا المثل بعد آيات أربع افتتحت بها سورة الجمعة ، وتناولت هذه الآيات :